وفي هذا المقام يليق بنا أن نتأمل الروضة في ظاهرة التشبيه الدائري في الشعر الأموي وقرينتها في الشعر الجاهلي إذ نخلص إلى تأكيد سير الشاعر الأموي في فلك الشاعر الجاهلي في ابتناء عنصر الروضة في ظاهرة التشبيه الدائري من حيث وصفها وذكر مكانها وزمانها والعناصر التي أسهمت في صنع جمالها، والمقارنة بين طرفي التشبيه في القفل، والمجالات التي قام عليها وجه الشبه. (25)
والموضوع الثالث من موضوعات الطبيعة الذي وقف عنده الشاعر الأموي مصورًا -الشمس والبدر، يقول مجنون ليلى:
فما الشمسُ وافَتْ يَوْمَ دَجْنٍ فأشرقَتْ ... ولا البدر وافى أسْعدَ ليلة البَدْرِ
بأحْسَنَ منها أو تزيد ملاحةً ... على ذاك أو راءىَ المحبُّ، فما أدري (26)
مضمون البيتين أنّ الشمس في إشراقها، والبدر في الليلة الظلماء ليسا بأحسن من صاحبة الشاعر ملاحة، لقد عمل المجنون على المقارنة بين الشمس والبدر من جهة، وصاحبته من جهة أخرى.
وبعد، فإنّ حديث الطبيعة في ظاهرة التشبيه الدائري في شعر الشاعر الأموي لم يكن على وتيرة واحدة، فقد نال كل من الماء وعناصره والروضة حظوة كبرى من اهتمام الشاعرالأموي، وخلاف ذلك -كحديث الكواكب ممثلة في الشمس والبدر- لم يرد إلاّ مرّة واحدة في نتاجه، كما أنّ دائرة الطبيعة في ظاهرة التشبيه الدائري في الشعر الجاهلي كانت أكثر نوعًا وأقلّ كمًّا من قرينتها في الشعر الأموي. (27)
وأما موضوعات الحيوان التي وردت في ظاهرة التشبيه الدائري في الشعر الأموي مرتبة على وفق مالها من صدارة، فكانت الظبية هي الأولى إذ حظيت بسبع صور في شعر الشعراء الذين اتخذهم البحث عينة للدراسة، فقد صوروها في حال كونها أمًا، وفي حال كونها ابنًا، وفي حال تعرضها للصيد، أما في مجال الظبية الأم، فيقول مجنون ليلى:
فما أمُّ خِشْفٍ بالعَقيقين تَرْعَوى ... إلى رَشَأٍ طِفْلٍ مَفَاصِلُهُ خُدْرُ
بِمُخْضَلّةٍ جادَ الرّبيعُ زُهَاءها ... رَهائِمَ وَسْميّ سَحَائُبهُ غُزْرُ