بأفْضَلَ في البريّةِ مِنْ بلالٍ ... إذا مَيّلْتَ بينهما مِيَالا (15)
في البيت الأول يذكر الشاعر مطرًا وصفه بـ الوسمي)، ووفّرَ له زمنًا وهو فصْل الربيع، ووفرّ له أيضًا مكانًا وهو بنجد)، ووصفه تهلل انهلالًا في مساربه)، وفي البيتين الثاني والثالث يذكر ما صاحب هذا المطر من رعد يذي لجب)، ومن برق بروق)، مشبهًا البروق بلمعانها بـ شبوب البلق تشتعل اشتعالا)، وفي الأبيات الرابع والخامس والسادس والسابع يتحدث عن كثرة الماء في هذا المطر، وعن النجوم التي أسهمت في هذه الكثرة، إذ ردّ ذلك إلى نجمي الذراع) و نشاص)، وخلص في البيتين الثامن والتاسع إلى ما تركه الوسمي من أثر، إذ أحيا الناس حتى أخصبوا، كما عمل على أن يزهر نبات الحوذان الذي شبهه الشاعر بذبالة فيها سراج، وفي البيت العاشر وهو القفل قارن بين المشبه والمشبه به، فالوسمي وما تركه من أثر في البرية) ليس بأفضل من بلال بن أبي بردة في عطائه لمن مالت بهم الأيام، وقد حرص ذو الرُمّة أن يربط المشبه بشرط زمني.
من خلال الأمثلة الشعرية التي قدمت، والتي مصدرها الطبيعة نلحظ الشعراء الأمويين في حديثهم عن عناصر الماء يتشابهون ويختلفون، يتشابهون في توظيف التشبيه الدائري في مجالي المدح والغزل، ويتشابهون أيضًا في حرصهم على توافر المكان والزمان للمشبه به، وعلى ربط المشبه -خاصةفي مجال المدح- بشرط زمني، ويختلفون في كم عدد الأبيات الشعرية التي تحمل ظاهرة التشبيه الدائري اتساعًا وتفصيلًا أو ضيقًا واقتضابًا، وأعدنا ذلك في حينه إلى الحاجة النفسية لدى الشاعر، وإذا ما قارنا بين الشاعر الأموي والشاعر الجاهلي في حديثهم عن عناصر الماء في ظاهرة التشبيه الدائري وجدنا أنّهم يتشابهون ويختلفون أيضًا: