يصف ذو الرُمّة في بيته غديرًا عذبًا، ضربته ريح الصّبا، وملأته السحب الممطرة، وهذا الغدير بعذوبة مائه، وخمر زَمّان بطعم مذاقه، ليس بأطيب من فم ميّ صاحبته، وأعذب منه. فذو الرُمّة وفّر للمشبه به الزمان باتت)، ووفّر له أيضًا المكان قرارة نهي).
ويصف الماء إذا كثر بأنّه بحر)، يقول جرير:
ما البَحْرُ مُغْلَولِبًا تَسْمُو غَوَارِبُهُ ... يَعْلُو السّفينَ بآذِيٍّ وإزْبَادِ
يومًا بأوسَعَ سَيْبًا مِنْ سِجالِكُم ... عِنْدَ الُعنَاةِ وَعِنْدَ المُعْتَفي الجادي (14)
لقد اكتفى الشاعر هنا بوصف المشبه به بسمو غواربه وزبده، بينما نجده يفصّل في المشبه إذ حدّد وعيّن المستفيدين من عطاء الممدوح، وهما فئتان من الناس: العُناة الذين سلبوا حريتهم بسبب أسرهم، فأطلق الممدوح سراحهم، والمعتفون المعوزون الذين يستجدون الناس لضيق ما في أيديهم، فكفاهم الممدوح مؤونة ذلك بما قدمه لهم من عطاء، لقد تحقق التشبيه الدائري في مقولة الشاعر إذ ورد في القُفْل مقارنة بين المشبه والمشبه به، فعطاء معاوية بن هشام بن عبد الملك أوسع من فيضان بحر سمت غواربه.
ومن عناصر الماء في شعر الشاعر الأمويّ المطر المنهل)، يقول ذو الرُمّة:
وما الوَسْمِيّ أوّلُهُ بِنَجْدِ ... تَهَلّلَ في مَسَارِبِهِ انْهلالا
بذي لَجَبٍ تُعَارِضُهُ بُرُوقٌ ... شُبُوبَ البُلْقِ تَشْتَعلُ اشتِعالا
فلم تدعِ البَوارِقُ عِرْقَ بَطنٍٍ ... رَغيبٍ سَيْلُهُ إلا مُسالا
أصاب النّاسَ مُنْقَمَسَ الثُريّا ... بِسَاحيةٍ وأتَبَعها طِلالا
فأردَفَت الذراعُ له بِغَيْثٍ ... سَجُومِ الماءِ فانْسَحلَ انسحَالا
ونثْرَتُها وَجَبْهَتُهَا هَرَاقتْ ... عليه الماءَ فاكتَهَلَ اكْتهالا
أبَتْ عَزْلاءُ كُلِّ نَشَاصِ بَحْرٍ ... على آثارِه إلاّ انحلالا
فصَارَ حيًا وطبّقَ بَعْدَ خَوْفٍ ... على حُرِيّةِ العرَبِ الهُزَالا
كأنّ منَوِّرَ الحَوْذانِ يُضْحي ... يَشُبُّ على مساربه الذُبالا