"فأجيبوا عن هذا الذي ظنوه وسألوا عنه، بضروب من الأجوبة، أحدهن أن كلام العرب يصحح بعضه بعضًا، ويرتبط أوله بآخره، ولا يعرف معنى الخطاب منه إلا باستيفائه واستكمال جميع حروفه، فجاز وقوع اللفظة على المعنيين المتضادين لأنها يتقدمها ويأتي بعدها ما يدل على خصوصية أحد المعنيين دون الآخر، ولا يراد بها في حال التكلم والإخبار إلا معنى واحد فمن ذلك قول الشاعر:"
كل شيء ما خلا الموتَ جلَلْ
فدل ما تقدم قبل"جلل"وتأخر بعده على أن معناه:"كل شيء ما خلا الموت يسير"ولا يتوهم ذو عقل وتمييز أن الجلل هنا معناه عظيم. ويقدم ابن الأنباري مثالًا آخر: ... ولئن سطوت لأُوهِنَنْ عظمي
فلئن عفوتُ لأَعُفَونْ جللًا
قومي همُ قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت، يصيبني سهمي.
ثم يتابع شارحًا: فدل الكلام على أنه أراد"فلئن عفوت لأعفون عفوًا عظيمًا، لأن الإنسان لا يفخر بصفحه عن ذنب يسير"فلما كان اللبس في هذين زائلًا عن جميع السامعين، لم يُنْكَر وقوع الكلمة على معنيين مختلفين في كلامين مختلفي اللفظ" (20) . ... وليس بمخطئ إن كان غيّا"
خطة ابن الأنباري في"الأضداد"
1-لم يرتب كتابه حين وضعه ترتيبًا أبجديًا، كما جرت العادة في وضع المعجمات. ولذلك فإنه بدأه بحرف هو السابع عشر في الأبجدية العربية هو"الظاء"في كلمة"الظن"التي استغرق شرحها زهاء خمس صفحات. في حين نجد حرفي"الألف"و"الجيم"في الصفحات الأخيرة من الكتاب، ورقمهما هو"308"و"309". وعدد صفحات الكتاب"المطبوع"هو ثلاثمئة وخمس وسبعون ورقة.
2-لم يميز ابن الأنباري في عرض مفرداته وشرحها بين فعل وبين اسم وبين حرف. كان يقدمها ويتحدث عنها كيفيًا على هواه، منتقلًا من الحروف إلى الأسماء فالأفعال دون حرج. ففي صفحتين متتاليتين في الكتاب تحدث عن هذه الكلمات:
-"مُشِبّ"-اسم: للمسنّ وللشاب.
-"أعبل"-فعل: إذا سقط ورقه. وإذا أخرج ثمرته.
-"طلعت"-فعل: على الرجل: أقبلت عليه. وأدبرت عنه (21) .