فهرس الكتاب

الصفحة 16626 من 23694

"في أوائل القرن العشرين استطاع"موريس جرامون"و"أنطون مييه"و"جوزيف فندريس"أن يثبتوا أن التغيرات الصوتية وغيرها من التغيرات اللغوية، لا يمكن القول إنها مماثلة للتغيرات التي تحدث في العالم الطبيعي، كما ذهب علماء اللغة خلال القرن التاسع عشر، ولكنها تدل على تفاعل بين الدوافع النفسية الفيزيولوجية، وبين نظام اللغة الذي تطرأ عليه التغيرات. والتغيرات تحدث في الأفراد في اللاشعور أو على هامش الشعور" (10) .

يدخل"التضاد"في صميم هذه التغيرات التي تحدث في الأفراد على صعيد اللاشعور.فإن رؤية الشيء أو الحركة، قد تستدعي في اللحظة ذاتها ضده أو ضدَّها. وهذا ما يفسره علم النفس في دراسته تداعي الأفكار، فقد جعل لذلك قانونًا بثلاثة بنود:

-التداعي بالاقتران"اقتران شيء بشيء".

-التداعي بالتشابه"فلان يشبه فلانًا".

-التداعي بالتضاد"أبيض أسود".

ولكن التضاد الهام جدًا في اللغة العربية هو ذاك الذي يجعل المعنيين المختلفين- وأحيانًا: عدة معانٍ -كامنين في قلب الكلمة الواحدة"فالجَوْن"تعني الأبيض والأسود. و"القَنيص"للصائد والمصيد. و"الكري"للمستأجِر والمستأجَر. و"الطرب"للفرح والحزن. وهذا ما يؤكد أن العقل العربي هو في طبيعته غير سكوني. بل هو جدلي Dialectical.

إن الدكتور عبد الكريم اليافي (11) في دراسة فريدة له عن أبي تمام يستخرج من بعض شعره من الأضداد ما يحمله على القول إن التضاد هو أساس التفكير عنده.

ويرى أيضًا أن أبا تمام"يرى من خلال التضاد أن الحركة هي الأصل في حُسْن الطبيعة وجمال الأرض"وهو يذهب أبعد من ذلك فيقول:

"حين نطالع شعر أبي تمام نجد أنه قد سبق هيغل وأمثاله من الفلاسفة بعصور طويلة فشق طريق الديالكتيك المستند إلى صراع الأضداد، فهو في الحقيقة أبو الجدل الحديث".

ومن الأمثلة الموفقة التي يقدمها الدكتور اليافي في هذا المجال قول أبي تمام:

من سجايا الطلول ألا تجيبا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت