فهرس الكتاب

الصفحة 1658 من 23694

إلا أن البيروني نفسه، بعقليته الجبارة، لم يكن يستطيع أن ينفي دورة الأرض. ففي كتابه"تحقيق ما للهند"، حين يتحدث عن أحد الفلكيين الهنود واسمه براهمكو بت الذي يقول إنّ الأرض هي التي تدور، نجده يعلّق التعليق التالي-"ونهب أن ذلك صحيح وأن الأرض تدور الدورة التامة نحو المشرق .. كما يدورها السماء عنده، فما العائق فيها عن الموازنة والموازاة؟ ثم ليست حركة الأرض دورًا بقادحة في علم الهيئة شيئًا بل تطرد أمورها معها على سواء، وإنما تستحيل من جهات أخر ولذلك صارت أعسر الشكوك في هذا الباب تحليلًا، وقد أكثر الفضلاء من المحدثين بعد القدماء الخوض فيها وفي نفيها".

حتى تسامح البيروني نحو الذين يقولون بدوران الأرض لم ينج من تعليق بعض العلماء تعليقًا لاذعًا. وينقل لنا نلينو عن القسم غير المطبوع من كتاب"جامع المبادئ والغايات"لأبي علي الحسن المراكشي من علماء القرن السابع الهجري، عند وصف الاسطرلاب المعروف بالزورقي، هذا النص"قال أبو الريحان البيروني: إن مستنبط هذا الاسطرلاب هو أبو سعيد السجزي، وهو مبني على أن الأرض متحركة والفلك بما فيه إلا السبعة السيارة ثابت. قال البيروني وهذه شبهة صعبة الحل. وعجيب منه كيف يستصعب شيئًا هو في غاية ظهور الفساد وهذا أمر قد بيّن فساده أبو علي بن سينا في كتاب الشفاء وبيّن فساده الرازي في كتاب ملخص وفي كثير من كتبه وغيره".

يبدو أن الزمن لم يكن قد حان بعد لكي ينطق عالم بهذه الحقيقة، وكان على العالم أن ينتظر خمسة قرون أخرى ليسمع كوبرنيكس ينطق بها.

خلاصة ما سبق:

أخذ العرب الفلك عن الهنود والفرس واليونان بشكل مهلهل، فنقحوه وعدلوه ووضعوا كل مسألة فيه موضع البحث والتدقيق الشديدين، وكتبوا في ذلك الرسائل والكتب العديدة وبينوا الأساس الحسابي لكل خطوة من الخطوات، وأصبح علم الفلك المتداول هو غير ذلك الذي تسلموه بادئ الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت