فهرس الكتاب

الصفحة 16534 من 23694

وإمعانًا في الدقة والإيضاح، وتحريض الخيال على النشاط، لايكتفي بالإشارة إلى ماآل إليه المتوفى، بل يشير إلى ماكان عليه من قبل أيضًا؛ فالجسم بالٍ بعد الجدّة، والعظام نخرة بعد القوة، والأجساد شحبة بعد بضتها. لقد انتهت الحياة الدنيا بالنسبة إلى هذا الميت، فانتهت بذلك وسائل العيش فيها، والإحساس بها. انتهى الجسد بانتهاء الحياة، ولم يبق من ذلك الكائن سوى الروح التي تحمل أعماله، والتي تنتبه من غفلتها، وتدرك أن مابُلّغت به كان حقًا، ولكنها في حالة عجز عن العمل بهذا اليقين الجديد.

لقد عبر الخطباء المسلمون بهذا الأسلوب من التصوير عما ينتظر الإنسان من موت وحساب، وعما هو عليه الآن، وعما يتعلق به من مناقب أومثالب. وصوروا الماضي القريب، وحالة العرب قبل الإسلام، كما صوروا بداية الدعوة الإسلامية وماواجه المسلمين من عقبات ومصاعب، ولكن دون أن يهملوا بعض الأحداث الهامة التي كانت تجري ضمن إطار الدولة الإسلامية.

لقد اهتموا بهذا النوع من التصوير، وأجادوا فيه في أحايين كثيرة. وكانت صورهم تعتمد على الحدث حينًا، وعلى الحوار حينًا، وعلى الوصف حينًا ثالثًا. وقد تجتمع هذه الأمور كلها، أوبعضها، في الصورة الواحدة التي يمكن الدارسَ أن يقرأ فيها أكثر مما قيل.

لقد كانت الصورة -بهذا الأسلوب- تعتمد في كثير من الأحيان على عملية الاستحضار الحسّي لمجموعة من العناصر التي تكوّن الصورة، وتركّبها على نحو فني جديد. ولذلك يمكن القول: إن دور الخيال في بناء هذه الصور كان -على الغالب- مقتصرًا على استحضارها وتركيبها بهذا الشكل. ولكن ذلك لايعني أننا نعدم صورًا تعبر عن خيال واسع خصب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت