فهرس الكتاب

الصفحة 16533 من 23694

وقد يبدو أن المشهد انتهى هنا، وأن قوله صلى الله عليه وسلم:"فمن استطاع أن يقي وجهه من النار، ولو بشق من تمرة، فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة"ماهو إلا خلاصة القول التي أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصل إليها ويضعها أمام المسلمين. وقد يكون في هذا الأمر شيء من الصحة، ولكن يمكن أن نلحظ أن هذا القول يضيف شيئًا إلى الصورة، لأنه يحمل بين طياته تعبيرًا عن عظمة النار ورهبتها، والخوف الذي يعتري المرء عند مشاهدتها، حتى ليكون الشق من التمرة يقي المرء وجهه به، على تفاهته وصغره، شيئًا عظيمًا وقمينًا بالاهتمام. وليس هذا كل مافي الأمر فقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"فمن استطاع...."يمنح الصورة شمولية واتساعًا عندما يعمم الموقف ويوحي للمتلقين بأن كلًا منهم قد يكون مكان هذا العبد.

وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يرسم صورة للميت في القبر فيقول:"وقد غودر في محلَّة الأموات رهينًا، وفي ضيّق المضجع وحيدًا، قد هتكت الهوام جلدته، وأبلتِ النواهك جِدَّتَهُ، وعفتِ العواصف آثاره، ومحا الحدثان معالمه، وصارت الأجساد شَحِبَةً بعد بَضَّتِها، والعظام نَخِرةً بعد قوّتها، والأرواح مرتهَنةً بثقل أعبائها، موقنة بغيب أنبائها، لاتستزاد من صالح عملها، ولاتستعتب من سيء زلَلِها..." (48) .

إنها صورة تحرك الخيال والنفس للتأمل فيها والاعتبار بها، ولمشاهدة ماسيؤول إليه المرء بعد دفنه، في ذلك المضجع الضيق وحيدًا بلا صاحب ولا أنيس، ولا أحلام ولا آمال. والخطيب رضي الله عنه يصور حالة العجز التي صار إليها الميت بعد قدرته في الدنيا. فالهوام على تفاهتها وضعفها تهتك جلدته، وتبلي جدته، فلا يستطيع لها منعًا. لقد تغيرت ملامحه وقسماته حتى كأنه لم يكن بالأمس بشرًا سويًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت