إنها صورة حيّة تعرض مشهدًا من مشاهد الحساب، وتحرك الخيال والعواطف لمتابعته، فالعبد انتقل من دنيا الباطل بكل مافي تلك الدنيا من آمال وطموحات وأعمال، إلى دنيا الحق، للحساب. ويقف قبالة الله عزّ وجلّ، وجهًا لوجه، دون حاجب يحجبه. ويعرض الله عليه الحجة؛ من هداية له، وإفاضة نعم، ويسأله عما قدم لنفسه. الله سبحانه وتعالى أعطاه الأسباب التي تؤهله للنجاة، ومنحه القدرة على ذلك، وهو لايريد منه شيئًا، فيسأله:"ماقدمت لنفسك"وليس"ماقدمت لي". ويمكن أن نتصور بعد ذلك الحالة النفسية السيئة لهذا العبد الذي أعيته الحجة، فما استطاع جوابًا، وهو يريد أن يتعلق بشيء ما، أن يجد شيئًا يتمسك به ويستعين، يدلنا على ذلك هذا التلفت يمنة ويسرة، الذي يشير إلى حالة الحيرة والاضطراب والخوف، ولكن هذا العبد لايجد شيئًا، وعند ذلك يدرك النهاية القاسية، والرسول صلى الله عليه وسلم لايقول: فيساق إلى جهنم، أو: فيكون مصيره جهنم، أو غير ذلك من العبارات، بل يترك المشهد مستمرًا ليفضي إلى النهاية:"ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم"، العبد يواجه الحق في البداية والآن يواجه النار في النهاية، بعد أن واجه ماقدم لنفسه من عمل فلم يجد شيئًا، بكل ماتحمله عملية المواجهة من خوف ورهبة. واستخدام الرسول صلى الله عليه وسلم للفعل"لينظرن"المؤكد هو تأكيد لحدوث الفعل، وتحريك للخيال في تصور هذه الجزئيات، وهو صلى الله عليه وسلم لم يقل:"أُدخِل إلى جهنم"وإنما قال"فلا يرى غير جهنم"وهنا ينتهي المشهد. المتلقي، طبعًا، سيدرك التتمة التي يوحي بها الموقف والتي تؤكدها لفظة"قدامه"، ولكنه سيدرك ذلك بعد أن يتأمل صورة النار التي يراها ذلك العبد، ولذلك كانت رؤية النار هنا تكتسب أهمية خاصة، قد تفوق أهمية إتمام الحدوث الذي تشير إليه الصورة.