ويمكن أن نخلص من هذه الدراسة إلى القول إن الخطباء المسلمين استعانوا بالصورة في سبيل التعبير عن أفكارهم وإيصالها إلى جمهور المتلقين، وفي سبيل التأثير في هذا الجمهور، صحيح"أن وظيفة الشعر هي التأثير وبعث الانفعال أولًا، ووظيفة النثر هي الإفادة وتغذية العقل أولًا" (49) ، ولكن التأثير في الخطابة يتمتع بقدر كبير من الأهمية لأنه يهيء النفوس للفهم والاقتناع. ولذلك سعى الخطباء من أجله، واستخدموا كثيرًا من الوسائل التي تحققه، ولعل الصورة كانت إحدى أهم تلك الوسائل. إذ لم يخفَ عليهم أن الصورة أكثر ثباتًا في العقل والنفس من الفكرة المجردة، وأكثر إقناعًا، لأنها تجعل المتلقي يرى الفكرة في صورة يشارك خياله في بنائها في أكثر الأحيان.
وتبعًا لارتباط الصورة بالفكرة يمكن أن نحدد لها، بشكل رئيسي وظيفتين أساسيتين هما:
1-الشرح والتوكيد والتوضيح.
2-التحسين والتقبيح.
وقد يقال إن الخطباء استعانوا بالصورة على الوصف أيضًا، غير أن هذا الوصف الذي قد نراه لايخلو من أن يكون على سبيل الشرح والتوضيح أو على سبيل التحسين والتقبيح ولذلك لم نشر إليه مستقلًا.
أما التزيين فلا نجد له أثرًا فيما وصل إلينا من النصوص. فالواقع أن خطباءنا توسلوا بالصورة عندما رأوا أنها تؤدي دورًا هامًا يعجز عنه الكلام المباشر، إن في الإفهام وإن في الإقناع.
وتبقى هناك ملاحظة أخيرة تستحق أن نشير إليها وهي أن الصورة في هذه الخطابة لم تكن واسعة إلاّ في أحايين قليلة، فقد كانت الصور تميل إلى الإيجاز، وتصوّر، على الغالب، جانبًا واحدًا من جوانب الموضوع. كما أنها تميل إلى الوصف حتى لتكاد الوصفية أن تكوّن سمة من أهم سماتها.
الهوامش:
1-الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، د. جابر عصفور، ط2- بيروت، 1983. ص: 7.
2-مجلة المعرفة السورية، العدد 344، أيار 1992. مقال بعنوان"الصورة الشعرية في البلاغة الحديثة"د.عبد السلام المسدي، ص136.