أما السمات الفنية للكناية في هذه الخطابة، فلا تختلف كثيرًا عن السمات التي ذكرناها للتشبيه والاستعارة؛ فقد استعان الخطباء بالبيئة في كناياتهم، وأفادوا من الأمثال الشعبية، كما أنهم أفادوا من دلالات بعض الألفاظ القرآنية في بناء كناياتهم، كقول عبد الله بن بديل في ذكر معاوية وأصحابه"وَصَال عليكم بالأعراب والأحزاب" (43) ، والخطيب يستغل الدلالات الجديدة لهذه الألفاظ. أما النوع الغالب من الكنايات فهو الكناية عن صفة، وإن كان للكناية عن موصوف حظها الكبير. وقد توصل الخطباء بالكناية المفردة والمركبة، لكنهم مالوا إلى النوع المركب، فكان هو الغالب، والواقع أن الكناية المركبة أكثر قدرة على التصوير والتعبير، كما أنها"أشدّ ملاءمة، وأعظم بلاغة" (44) .
وأخيرًا يمكن أن نجمل فنقول: إن خطباءنا استعانوا بالتشبيه والاستعارة والكناية في بناء صورهم، وفي التعبير عن أفكارهم، واستخدموا هذه العناصر بمختلف ألوانها وأشكالها، وإن كانت الكناية أكثر استعمالًا في التعبير إذا أضفنا إليها المجاز الكنائي الذي يعد من الاستعارة أيضًا. أما من حيث الصور فكانت الصور الغالبة هي التي تقوم على التشبيه والاستعارة.