فالرسول صلى الله عليه وسلم يتوسل بالكناية للتعبير عن ذهول المرء يوم القيامة فيقول صلى الله عليه وسلم:"تعْلَمُنَّ والله ليُصعَقَنَّ أحدكم، ثم لَيَدعَنَّ غَنَمَه ليس لها راعٍ" (40) . فترك الأغنام دون راع كناية عن شدة الذهول والرعب الذي يقطع أوشاج اهتمام المرء بالدنيا ومشاغلها ومغرياتها. ترك الأغنام دون راع يعرّضها للضياع، ولخطر افتراس الوحوش، وصاحب الأغنام في العادة حريص عليها، كثير العناية بها. ولفظة الأغنام في هذا السياق تتسع دلالاتها لتشمل كل مامن شأنه أن يشغل الإنسان أو يحظى باهتمامه.
وعثمان بن عفان رضي الله عنه يوضح للثوار أن قتله سيؤدي بهم وبالمسلمين إلى فتنة لاتحمد عقباها، فيعبّر بالصورة عن خطورة هذا الفعل، يقول:"فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم" (41) . ووضع السيف على الرقاب كناية عن اقتراب الموت؛ والوقوع في الخطر المحدق الذي لامفرّ منه. وقد تختلف صور السيوف على الرقاب، وصور وجود تلك السيوف على الرقاب، بين متلقٍ وآخر، ولكن الشيء الثابت هو إدراك المتلقين جميعًا لمعنى الخطورة الذي تحمله الصورة أو تعبر عنه.
والواقع أن التصوير بالكناية حظي ببعض اهتمام الخطباء، ولكن الصورة القائمة على الكناية لم تبلغ من الجمال مابلغته الصورة القائمة على التشبيه والاستعارة و، لايعود ذلك إلى إخفاق الخطباء وإنما يعود إلى طبيعة الكناية نفسها.
فإذا تحدثنا عن اهتمام الخطباء بالتعبير بالكناية كان بوسعنا أن نقول: إن الاهتمام بالكناية يتعاظم في الخطب السياسية؛ إذ يلجأ إليها الخطيب للإفادة من طاقاتها في التعبير والتأثير، وقدراتها على الإيحاء. ففي الكناية إثبات للمعنى بشاهد ودليل، كما يقول عبد القاهر (42) .