فهرس الكتاب

الصفحة 16525 من 23694

والصورة تشير، من جانب آخر، إلى ماكانت عليه الدنيا/ الناقة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم. أو لنقل إن هناك صورة أخرى خلف هذه الصورة يشير إليها الظرف"بعده"الذي يحرك الخيال لتصور ماكان قبل الـ"بعد"، والخيال يرسم الصورة عندئذٍ، بالمواد نفسها، وإنما يعيد الأمور إلى نصابها، فتبدو الناقة هادئة مطيعة، سهلة الانقياد، أسلمت صاحبها زمامها، وثبت وضينها، وسارت إلى حيث يجب أن تسير، دون انشغال الناس بالضرع والرضاع. هذه الصورة الأخرى تعبر عن قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الطريق الحق الذي يوصلهم إلى حيث الخير والأمان.

ولن نكثر من الأمثلة، فهي كثيرة جدًا، وإنما يمكننا أن نخلص إلى القول باطمئنان: إن خطباءنا توسلوا بالاستعارة في التعبير والتصوير، ولم تكن الاستعارة عندهم زينة يزوقون بها خطبهم، أو حلية يصطنعونها، وإنما جاءت، حيث جاءت، وسيلة ضرورية للتعبير لاغنى عنها في أداء المعنى الذي يرمي إليه الخطيب، وفي الوصول إلى المبتغى الذي يسعى إليه. ولانعني بحديثنا هذا الاستعارات البالية أو الذاوية، وإنما نعني الاستعارات التي تنبض بالحياة، والتي ترقى إلى مستوى معقول من النضج الفني، وتنمّ عن جهد ذهني وفني. والحقيقة أن هذا النوع لم يتوافر إلاّ في خطب قلة من الخطباء، وقد أجاد هؤلاء، في الغالب، عند توسلهم بالاستعارة، فقدموا صورًا حية متحركة، يتفاعل فيها المشبه مع المشبه به، ويمدّه بنسغ الحياة ويمنحه الإحساس، فإذا الفكرة، في كثير من الأحيان، كائن حيّ له أبعاده المحسوسة، وملامحه الواضحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت