فهرس الكتاب

الصفحة 16524 من 23694

علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يتوسل بالناقة في بناء بعض صوره الاستعارية، ومن ذلك قوله"فما احلّولت لكم الدنيا في لَذَّتِها، ولاتمكنتم من رضاع أخلافها، إلاّ من بعده -يعني الرسول صلى الله عليه وسلم- صادفتموها جائلًا خِطامُها قَلِقا وَضِينُها" (35) .

هذه اللوحة تصور الدنيا وطغيانها على النفوس بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي في الوقت نفسه تشير إلى ماكان عليه الأمر قبل وفاته صلى الله عليه وسلم. الدنيا تتحول إلى ناقة، هذه الناقة، بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثائرة جامحة، صعبة الانقياد، لقد خلعت زمامها، أو أعجزت راكبها عن قبضه، وفي الحالتين يظل المعنى واحدًا، وهو أنها تسير به على غير هدى، وتمضي به إلى حيث أرادت لا إلى حيث يجب أن تمضي، وحركاتها الثائرة القوية جعلت وضينها يسترخي، وهذا الاسترخاء يشير إلى خطورة الركوب، لأن ماوضع على ظهرها للركوب عليه لن يكون ثابتًا، وعندئذٍ سيلقي بالراكب أرضًا.

ومع أن الناقة، والتي تعني الدنيا، بهذه الحال من الجموح فقد تمكنوا من رضاع أخلافها، وقد يبدو الأمر متناقضًا، فالرضاع يستلزم الثبات، وقد يبدو رضاع أخلاف الناقة في هذه الحال أمرًا غير ممكن. ولكن الصورة تتخطى في كثير من الأحيان القيود المنطقية ولاتعترف بها. والتناقض الذي نشير إليه يساهم مساهمة فعالة في بناء هذه الصورة؛ فانصراف الناس إلى الرضاع دون الاهتمام بتهدئة الناقة، والقبض على زمامها، للسير بها في الاتجاه الصحيح، ولتجنب المهالك التي تقود إليها، يعطي أبعادًا جديدة لمعنى انصراف الناس إلى ملذات الدنيا، غير عابئين بالمهالك التي تقودهم إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت