وهكذا يتجسد الوعد ويصير المعنوي ملموسًا محسوسًا، ويستعير له الخطيب من بيئته جسدًا وشكلًا، ويغدو له صدر وعجز وأكارع. الناقة، أو ربما الفرس، أو غيرها من حيوانات البيئة، أغرت الخطيب، فاستعان بها، واستعار منها للوعد بعض الأجزاء في سبيل توضيح الفكرة، مدركًا معرفة الجمهور البديهية أن مقدم الحيوان وصدره أكبر قيمة، من الناحيتين الاقتصادية والجمالية، من أعجازه وأكارعه. وهكذا تغدو الفكرة واضحة في أذهان المتلقين، ويصير بوسعهم أن يدركوا النسبة التي تحققت من الوعد الذي يشير إليه الخطيب. ولو أن الخطيب لم يعبر بالصورة لما استطاع أن يبلغ هذه الدقة، وإن استطاع أن يبلغها فلن يكون لقوله الأثر الذي تحدثه الصورة"ولولا أن الاستعارة المصيبة تتضمن مالا تتضمنه الحقيقية من زيادة فائدة لكانت الحقيقة أولى منها استعمالًا" (33) .
صورة الحيوان تغري خطيبًا آخر؛ هو سعيد بن العاص الذي يتوسل بها للتعبير عن بداية ظهور الفتنة فيقول:"ألا إنّ الفتنة قد أطلعت خُطُمها وعينيها، ووالله لأضربنّ وجهها حتى أقمعها أو تعييني" (34) .
لقد تحولت الفتنة إلى ناقة، فامتلكت خطمًا وعينين ووجهًا وحركة، وهي لم تكن موجودة من قبل، أو لنقل بعبارة أكثر دقة، كانت موجودة لكنها لم تكن متحركة. وكما ينهض البعير أو غيره من الحيوانات رأسه أولًا عندما يريد الوقوف والسير، تنهض الفتنة/ الناقة رأسها، وتطلع خطمها وعينيها إيذانًا بالحركة والنشاط.
والخطيب يستعير لهذه الفتنة وجهًا، ويقسم على ضرب هذا الوجه، لاعلى ضرب الجسد كاملًا، وهذا يعني منعها من متابعة النهوض، بمعنى آخر يعني قمعها في المهد، وهذا ليس المعنى كله، فيجب أن نعلم أن الوجه هنا غني بالدلالات، لأن الوجه عند العربي يحمل رموز الأنفة والعزّة والكرامة.