فهرس الكتاب

الصفحة 16522 من 23694

وطريقة الاستعارة في تقديم المعنى ورسم الصورة تتجاوز الحدود الواضحة للرسم الواضح لتدخل في إطار التمثيل الإيحائي، أو التعبير الإيحائي، فتعمل بذلك على تحريك العاطفة والخيال لفهم المعنى المراد من خلال ركن واحد من أركان التشبيه، وليس ذلك فحسب، بل إنها تترك للخيال حرية الحركة والتأمل. ثم إنها من خلال تركيبها اللغوي الجديد تكسر الحواجز الموجودة بين الأشياء في عالم الواقع وتخلق عالمًا جديدًا غنيًا، ولذلك كله تبدو الاستعارة أقرب إلى الشعر وألصق به، حتى إن ابن سينا يراها غريبة عن الخطابة فيشير إلى أنّ"الاستعارة في الخطابة ليست على أنها أصل، بل على أنها غشّ ينتفع به في ترويج الشيء على من ينخدع وينغش.." (31) .

هذه الفوائد العظيمة التي تتمتع بها الاستعارة، وهذا الثراء الذي تمدّ المعنى به، بما تتمتع به من تجاوز للعلاقات الموضوعية بين الأشياء والمحددة بشكل من الأشكال، جعلتها وسيلة لاغنى عنها، لا في الشعر فحسب، وإنما في النثر أيضًا. وماكان خطباؤنا ليهملوها، فقد استعانوا بها، وحاولوا الاستفادة من مميزاتها في تشكيل صورهم والتعبير عن أفكارهم، فتوسلوا بالتشخيص وجعلوا المعنى المجرد كائنًا محسوسًا له ملامحه وأبعاده، وله قدراته، في بعض الأحيان، على الحسّ والحركة.

فالنعمان بن مقرِّن يريد أن يبين أن الله سبحانه وتعالى قد أنجز أغلب وعده في نصرة المسلمين على أعدائهم. ولكن لفظة"أغلب"أو مايشاكلها مثل"أعظم"أو"أكثر"أو غير ذلك ليس بوسعها أن تؤدي المعنى المطلوب، أو تصور النسبة التي يريد الخطيب أن يشير إليها، وعندئذ ستبقى الفكرة غامضة. ولذلك يلجأ إلى الصورة للتعبير عن مراده، ويتوسل بالاستعارة في بناء تلك الصورة فيقول:"قد علمتُم ما أعزكم الله به من هذا الدين، وما وعدكم من الظهور. وقد أنجز لكم هوادِيَ ماوعدكم وصدوره، وإنما بقيت أعجازه وأكارعه" (32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت