إنّ ذلك يستدعي بالضرورة الحرص على الإكثار من المساجد في هذا البلد الذي تعيش فيه أعداد كبيرة من غير المسلمين، حتى إن الدكتور إحسان عباس في كتابه"العرب في صقلية"يؤكد أن ذلك الأمر أشبه بظاهرة صاحبت الفتح الإسلامي في أقطار أخرى غير صقلية، وإن كانت في صقلية أشدّ وأقوى، وذلك للأسباب المذكورة. فالإكثار من بناء المساجد على ما فيه من إعمار مندوب ومرغوب فيه لتعظيم شعائر الله، هو فيما يتصل بصقلية دليل واضح لتثبيت، أو الرغبة في تثبيت الهوية الإسلامية في هذا البلد وترسيخها.
أما النقطة الثانية: التي لم يتقبلها ابن حوقل وصبّ جام نقده وسخريته على أهل صقلية -فتتصل بما شاهده في صقلية من كثرة المعلمين والكتاتيب. ونستمع إليه يقول:"... والغالب على البلد المعلمون والمكاتب (5) به في كلّ مكان، وهم فيه على طبقات مختلفة ومنازل شتى متباينة، حتى إنهم المتكلمون على السلطان واختباراته والإطلاق بالقبائح من ألسنتهم بمعائبه وإضافة محاسنه إلى قبائحه. وبالبلد منهم ما يقارب ثلاثمائة معلم ولم ينقص من ذلك إلاّ القليل وليس كهذه العدّة بمكان من الأماكن ولا في بلد من البلدان".
ويمضي ابن حوقل في نقده الغاضب على المعلمين في صقلية، فيقول:"ومن أرث ما رأيته وأغثه خمسة معلمين في مكتب واحد يعلمون فيه الصبيان، شركاء متشاكسون على باب عين شفاء، يرأسهم شيخ يعرف بالملطاط: أشقر أزرق.. ورجل يعرف بابن الودّاني..."
".. أن جميع أهل صقلية لصغر أحلامهم ونقص درايتهم، وبعد افهامهم، يعتقدون أن هذه الطائفة أعيانهم ولبابهم وفقهاؤهم ومحصلوهم وأرباب فتاويهم وعدولهم وبهم وعندهم يقوم الحلال والحرام، وتعقد الأحكام، وتنفذ الشهادات، وهم الأدباء والخطباء."
ولقد رأيت ولدًا كان لإسحاق بن الماجلي يخطب نحو حولين كان يجزم الأسماء مع الصلة، ويجرّ الأفعال من أول خطبته إلى آخرها"."