النقطة الأولى: التي لفتت نظر ابن حوقل هي ما تمثلت فيما رآه من كثرة عدد المساجد في مدينة بلرم العاصمة، ولنستمع إليه يقول:"... وبصقلية من المساجد في مدينة بلرم والمدينة المعروفة بالخالصة والحارات المحيطة بها من وراء سوريهما نيف وثلاثمائة مسجد، يتواطأ أهل الخبرة منهم في علمها ويتساوون في معرفتها وعددها، وبظاهرها مهما حفّ بها ولاصقها، وبين أجنحتها وأبراجها قرية تشرف على المدينة، وبينهما نحو نصف فرسخ، وقد خرجت مساجد تزيد على مائتي مسجد. ولم أر لهذه العدّة بمكان ولا بلد من البلدان الكبار التي تستولي على ضعف مساحتها شبهًا ولا سمعت من يدعيه إلاّ ما يتذاكره أهل قرطبة من أن بها خمسمائة مسجد، ولم أقف على حقيقة ذلك من قرطبة، وذكرته في موضعه على شكّ مني في ذلك (4) ، وأنا محققه بصقلية، لأني شاهدت أكثره، ولقد كنت واقفًا ذات يوم بها في جوار دار أبي محمد عبد الواحد بن محمد المعروف بالقفصي الفقيه الوثائقي، فرأيت من مسجده في مقدار رمية سهم نحو عشرة مساجد يدركها بصري، ومنها شيء تجاه شيء، وبينهما عرض الطريق فقط".
ولنا أن نتساءل هنا عن العلة التي فسر بها كثرة المساجد في المدينة، ذكر ابن حوقل أنه سأل عن ذلك فأخبر:"بأن القوم لشدة انتفاخ رؤوسهم كان يحبّ كل واحد منهم أن يكون له مسجد مقصور عليه لا يشركه فيه غير أهله وحاشيته، وربما كان أَخوان منهم متلاصقة داراهما ..متعاقبة الحيطان، وقد عمل كل واحد منهما مسجدًا لنفسه ليكون جلوسه فيه وحده، وكأن رغبتهم في ابتناء تلك المساجد أن يقال: مسجد فلان لا غير، وهو حدث له من نفسه محل عظيم وخطر جسيم".
وليس من شكّ في أن ابن حوقل قد جانبه الصواب في تعليله هذا، ذلك أنه قد فاته أن يعرف ظروف المسلمين في بلد كصقلية كان تابعًا للبيزنطيين، وافتتحه المسلمون.