فهرس الكتاب

الصفحة 16493 من 23694

غزا المنذر بن الزبير في البحر ومعه ثلاثون رجلًا من بني أسد بن عبد العزى، فقال له حكيم بن حزام: ابن أخي، قد جعلت طائفة من مالي للَّه عز وجل، وإني قد صنعت أمرًا ودعوتكم له، فأقسمت عليك لا يرده علي أحد منكم، فقال المنذر: لا ها اللَّه إذا، بل نأخذ ما تعطي، فإن نحتج إليه نستعن به ولا نكره أن يأجرك اللَّه، وإن نستغن عنه نعطه من يأجرنا اللَّه فيه كما أجرك..."-34- وتظهر حنكة حكيم بن حزام وبصيرته وصدق حدسه في موقفه من نظام العطاء وتأثيره في تجارة قريش، ذلك".. أن عمر بن الخطاب لما هم بفرض العطاء شاور المهاجرين فيه، فرأوا ما رأى من ذلك صوابًا، ثم شاور الأنصار، فرأوا ما رأى إخوانهم من المهاجرين في ذلك، ثم شاور مسلمة الفتح، فلم يخالفوا رأي المهاجرين والأنصار إلا حكيم بن حزام فإنه قال لعمر بن الخطاب: إن قريشًا أهل تجارة، ومتى فرضت لهم العطاء، خشيت أن يتكلوا عليه فيدعون التجارة، فيأتي بعدك من يحبس عنهم العطاء وقد خرجت منهم التجارة. فكان ذلك كما قال"-35- ولقد أكدت التطورات اللاحقة هيمنة الموالي والعبيد على التجارة -36- ناهيك عما كان يحدثه الحرمان من العطاء، وتأثير ذلك في تجار قريش."

وقد امتنع حكيم بن حزام عن أخذ العطاء من أبي بكر وعمر -رض- على الرغم من إلحاحهما عليه في ذلك، ورفض صلة من معاوية أيضًا -37- ويظهر أن هذا الموقف قد تأتى عن روح انضباط عالية، إذ يفسره بنفسه قائلًا: سألت رسول اللَّه -ص- يوم حنين فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال رسول الله صلى اللَّه -ص-: يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاء نفس بورك له فيه، ومن أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى. فقال حكيم، فلا والذي بعثك بالحق، لا أرزأ بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا -38- وفعلًا لم يأخذ عطاء من أي خليفة حتى توفي -39-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت