ولما ترجم المجسطي لبطليموس وجد الفلكيون العرب فيه جامعًا مانعًا. فطغى على غيره وأصبح المصدر الرئيس الذي اعتمد عليه كل الفلكيين العرب.
كانت الترجمة في بداياتها للفهم والاستيعاب وكان يستعان بها في كتابة الازياج. ولكن لما تم هضم العلوم التي نقلتها الترجمات المتقنة جاء دور التصحيح فيما تتحدث عنه، والتعليق على الأخطاء الواردة فيها. وكانت آلات الرصد تتطور أيضًا مع تطور استيعابهم لهذه العلوم، فأخذت تظهر الكتب المختلفة عن كيفية عمل هذه الآلات والوصول بها إلى مراحل الاتقان. ولكن الرصد المتقن يحتاج إلى معرفة الدرجات والدقائق والثواني من الزاوية ويحتاج معرفة حساب المثلثات. فصدرت الكتب المتتالية في هذا النوع من الحساب. كانت حساباتهم أول الأمر تعتمد على القليل من حساب المثلثات الذي عرفه بطليموس، وعلى هندسة اقليدس المسطحة. ولكن حساب المثلثات الكروية بلغت شأوًا عظيمًا في كتابات البيروني، ووصل الكمال بعده عند نصر الدين الطوسي.
محيط الكرة الأرضية:
إن أي علم من العلوم التجريبية لا تكون له قيمة إذا لم تسنده البراهين والأدلة. بل إنه لا يعتبر علمًا تجريبيًا بدونها. وقيمة التراث الفلكي الذي بدونها. وقيمة التراث الفلكي الذي قدمه العرب قائمة على مقدار الجهد الذي بذله الفلكيون في الرصد والقياس والحسابات لما رصدوا وقاسوا. فإذا دوّى اسم البناني والبيروني والصوفي في القرون الوسطى، فليس ذلك لأنهم كتبوا لنا أمورًا نظرية محضة، إنما لأنهم رصدوا وحسبوا أرصادهم ، وأجادوا بعد ذلك في التعبير عن آرائهم في نتيجة ما فعلوا.