فهرس الكتاب

الصفحة 16449 من 23694

وهكذا يحمل المعري للحيوان الرأفة والرفق، حتى في الجنان. وواضح بعد ذلك أن الجنة ليست محض مكان جميل، إنما هي مكان يكتمل بمن فيه من إنسان وبما يكون بين أفراده من علاقات، ومايكون بينهم وبين الجنة من صلات.

وهكذا فالناس في الجنة يفعلون ويتحركون وينفعلون ويقيمون فيما بينهم علاقات، ويتجول بينهم ابن القارح، مخترقًا الأماكن، ومجتازًا المواضع، ليغدو المكان فضاء تعج فيه ألوان من الحياة. بالإضافة إلى ماتضج فيه من حوارات وخصومات ونقاشات بين ابن القارح والشعراء واللغويين والنحاة والرجّاز تبلغ أحيانًا حد الغضب أو الخصام، وهو مما يملأ الجواء بالمعرفة واللغة والشعر وضروب الثقافة لذلك العصر.

وليس الإنس والحيوان وحدهم الذين يسكنون الجنة، بل يسكنها أيضًا الجن. وابن القارح يمرّ بمنازلهم، وهو في الطريق إلى النار، مما يدلّ على أنهم في مكان من الجنة ناءٍ، ومساكنهم ليست كمساكن الإنس.

(فيركب بعض دواب الجنة ويسير، فإذا هو بمدائن ليست كمدائن الجنة، ولا عليها النور الشعشعاني، وهي ذات أدحال وغماليل [سراديب ومسارب] ، فيقول لبعض الملائكة: ما هذه ياعبد اللّه؟ فيقول: هذه جنة العفاريت... فيعوج فإذا هو بشيخ جالس على باب مغارة، فيسلم عليه فيحسن الردّ) (ص290) .

ثم يعلم أنه الخَيْتعُور ويكنّى أبا هدْرَش أحد بني الشيْصبان، وليس من ولد إبليس، وأنه من الذين كانوا يسكنون الأرض قبل ولد آدم، (ص290-291) ، ثم يسأله عن الشعراء والشعر ويهم بالكتابة عنه، ولكنه يعزف لأنه لم يحظَ في الدنيا من الأدب بطائل، فما باله يترك لذات الجنة، ليكتب عن أدب الجن، ومعه من أدب الإنس مايكفيه. (ص292-293) ثم ينقل عنه قصيدة سينية طويلة، ومايلبث حتى يغادره. (ص298-304) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت