فهرس الكتاب

الصفحة 16448 من 23694

ومنه أيضًا أسد دخل الجنة لأنه كان في الدنيا قد افترس (عتبة بن أبي لهب) أحد أعداء المسلمين، وإذ يراه ابن القارح وهو يفترس شاة في الجنة، يسأله عما يفعل، فيجيبه:

(أنا أفترس ماشاء اللّه، فلا تأذى الفريسة بظفر ولا ناب، ولكن تجد من اللذة كما أجد، بلطف ربها العزيز) (ص305) .

وهكذا يلتمس المعري العذر للافتراس ويفلسفه، بل يغيره، فإذا هو في الجنة لذة للطرفين، الآكل والمأكول، ولا ألم ولاعذاب، لأنهما معًا في الجنة، حيث النعيم المقيم.

وهكذا تتنوع الكائنات في الجنة، من إنس وحيوان، والإنس فيهم الرجال من شعراء ولغويين وأدباء، وفيهم حور العِين، وهنّ على ضربين، وهؤلاء جميعًا، من رجال ونساء، يتحركون ويعملون ويفعلون وينفعلون.

وفيما يخص ابن القارح مايظهر عليه دائمًا من دهشة وانفعال ومن رغبة في المعرفة، وهو يتطلع دائمًا إلى مزيد، فينتقل من ركن في الجنة إلى ركن، وهو لايكتفي بالحسّ والرؤية والانفعال، بل يكون له رأي واختيار وفعل، وحسبه أنه رأى الحورية ضاوية فتمناها على غير هذه الحال، فلما غلظت أرادها مختلفة أيضًا، وهو الذي تشهّى المأدبة، وطلب الرقص والغناء.

وهكذا فللإنسان فعل في الجنة، وإرادة، واختيار، وهو بذلك يقيم علاقات مع المكان، ينفعل به، ويفعل فيه، ولكن وفق رؤية فنية سامية، تنشد دائمًا الفن والجمال.

والحيوان بعد ذلك متنوع، من طير وسمك وإوز وجمال وغير ذلك من الدواب، وهي كثيرة، ولها حركة وانتقال وأصوات.

وهي على ضربين أيضًا، ضرب خُلق في الجنة بداءة، وضرب دخل إليها من الدنيا.

إن وجود الحيوان في الجنة هو دليل ألفة الإنسان للحيوان، وحاجته إليه، لطعام وزينة وركوب، وهو وجود كريم، لاهوان فيه، ومعظم الحيوان في الجنة من زبرجد وعسجد، ولاسيما المركوب، كالأينق والدواب.

ومايذبح منه لايجد ألمًا، وما يأكل بعضه بعضًا، كذلك لايجد ألمًا، إنما يجد المأكول لذة كلذة الآكل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت