وواضح مافي هذه اللوحة من حركة وصخب وضجيج، وكثرة في الحيوان، وقدرة على رصد الأنواع وتسمية الأصوات وتصوير الحركات.
ولعلّ أجمل ما في اللوحة هو الفكرة الأخيرة، إذ الذبح في الجنة ليس كالذبح في الدنيا، إنما هو كلعب الأطفال، وهي فكرة بارعة، ولفتة ذكية، تؤكد رفق المعري بالحيوان، وهو العازف في الدنيا عن أكل لحمه.
والطريف أنه لايأكل منه هنا، إذ ليس هو المتجول في رياض الجنة، إنما صديقه ابن القارح.
ولاينسى المعري الأسماك، وهاهو ذا يصورها وهي في الجنة، بما فيها من تميز، ومالها من صفات خاصة:
(فأما الأنهار الخمرية، فتلعب فيها أسماك هي على صور السمك بحرية ونهرية، ومايسكن منه في العيون النبعية، ويظفر بضروب النبت المرعية، إلا أنه من الذهب والفضة وصنوف الجواهر، المقابَلة بالنور الباهر. فإذا مدّ المؤمن يده إلى واحدة من ذلك السمك، شرب من فيها عذبًا لو وقعت الجرعة منه في البحر الذي لايستطيع ماءه الشارب، لحلَتْ منه أسافل وغوارب، ولصار الصَمَر [النتن] كأنه رائحة خزامى سهل) (ص168) .
وإلى جانب ماظهر من حيوان في الجنة، هناك نوع آخر من الحيوان، كان في الدنيا، ثم دخل الجنة.
وهو نوع طريف، ومنه بقرة وحشية رآها في الجنة، فأراد صيدها، فطلبت منه أن يكفّ، لأنها ليست كسائر الحيوان، وهاهي ذي تقول له:
(أمسكْ، رحمك اللّه، فإني لست من وحش الجنة التي أنشأها اللّه سبحانه ولم تكن في الدار الزائلة، ولكني كنت في محلة الغُرور أرود في بعض القفار، فمرّ بي ركب مؤمنون قد كَرِيَ [نقص] زادهم، فصرعوني واستعانوا بي على السفر، فعوّضني اللّه -جلّت كلمته- بأن أسكنني في الخلود) (ص198) .
ومن هذا النوع أيضًا حية كانت تسكن في الدنيا دار الحسن البصري، وقد دخلت الجنة، وهي تروي الأخبار والأشعار، ويلتقيها ابن القارح، فتدعوه إلى الإقامة عندها، وتعده أن تنتفض فتصير من أحسن غواني الجنة، ولكن ابن القارح (يذعر منها ويذهب مهرولًا) (ص37) .