ومثل هذا اللقاء بالجني يعد شكلًا من التجديد والتنويع وخروجًا عن المألوف ليمتع به القارئ وليعالج به بعض قضايا الشعر. ووجود الجن يمنح ساكني الجنة ضربًا من التكامل، فإذا هم إنس وجن وحيوان.
ويلاحظ مرور ابن القارح بالنار مرور الكرام، وهو يطلّ عليها من علٍ، ولايدخلها، وفيها يلتقي بضعة شعراء من الجاهلية، يحاورهم، حتى يملّ منه أحد الأبالسة فيحرّض عليه خزنة النار كي يجذبوه إليها، وهو عنها في منأى عالٍ، ولذلك سرعان ماينصرف عنها، وقد ملّ منها، ليمضي عائدًا إلى الجنة.
وهو لايصف النار ولايصورها، ولايتحدث عن أشكال العذاب فيها، سوى عذاب بشار بن برد الذي يحاول أن يغمض عينيه حتى لايرى ماهو فيه من عذاب، ولكن خزنة النار يفتحون عيونه بالكلاليب مبالغة في تعذيبه (ص310) .
وكأن المعري يشفق على الشعراء من أن يصور عذابهم أو يصفه، حتى لايرسّخ الإحساس بالعذاب. وهذه قيمة مثلى عند المعري، فهو مشفق على الإنسان، ولايريد تصوير مايلحق به من عذاب. وكأنه في سؤاله عن أشعارهم، وهم في النار، إنما يسلّيهم، ويقلل من عذابهم، ويؤكد صفة الشاعر فيهم.
إن المعري حريص على تصوير الجنة، والطواف في أرجائها، ليصور ماتطمئن إليه النفس، وترغب فيه، ولايريد أن يفسد متعة التصوير بإطالة الوقوف في النار.
وإذا كان المعري لم يصف النار، ولم يصورها، فهو لم يُعْنَ أيضًا بالأماكن في الجنة، فهو لايصفها وصف المدقق، ولا يعنى بجزئياتها، وجلّ مايعني به هو علاقة الإنسان بالمكان، ولاسيما بطل رسالته: ابن القارح.
وهذا يعني أن المعري قد عُني باختراق الإنسان للمكان، أي أنه لم يعن بالإنسان أو المكان بوصفهما وحدتين منفصلتين، بل بوصفهما وحدتين متصلتين.
وعلاقة ابن القارح بالمكان، تمثل في الحقيقة علاقة المعري، وموقفه منه يمثل في الواقع موقف المعري.