ويدهش ابن القارح لحديث الملَكِ فيطلب منه أن يدلّه على الضرب الأول (فيتبعه، فيجيء به إلى حدائق لايعرف كنهها إلا اللّه، فيقول الملك: خذ ثمرة من هذا الثمر، فاكسرها، فإن هذا الشجر يعرف بشجر الحور. فيأخذ سفرجلة أو رمّانة أو تفّاحة، أو ماشاء اللّه من الثمار، فيكسرها، فتخرج منها جارية حوراء عيناءُ، تَبْرَقُ [تدهش] لحسنها حوريات الجنان، فتقول: مَن أنتَ ياعبد اللّه؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان، فتقول: إني أُمَنَّى بلقائك قبل أن يخلق اللّه الدنيا بأربعة آلاف سنة) (ص288) .
ثم إن ابن القارح ليسجد للّه شكرًا على منحه تلك الحورية، ثم (يخطر في نفسه وهو ساجد أن تلك الجارية على حسنها ضاوية، فيرفع رأسه من السجود وقد صار من ورائها رِدْفٌ يضاهي كُثبانَ عالج وأنقاءَ الدهناء...) (ص288-289) ، فيذهل ويطلب أن تقصر قليلًا، (فيقال له: أنت مخيّرٌ في تكوين هذه الجارية كما تشاء) (ص289) .
وواضح جموح خيال المعري، وذهابه بعيدًا وراء تصوير رغبات النفس وأهوائها.
والناس بعد ذلك في الجنة ليسوا بهادئين أو ساكنين، بل هم في حركة واعتمال، فابن القارح ينتقل من هذا إلى ذاك، يحاور ويسأل، وثمة مآدب ومجالس وألوان من الطعام والشراب والغناء والطرب والرقص.
فبينما ابن القارح يطوف في إحدى الرياض (يمرّ رفٌّ من إوزّ الجنة، فلا يلبث أن ينزل على تلك الروضة، ويقف وقوف منتظرٍ لأمر، ومن شأن طير الجنة أن يتكلّم، فيقول: ماشأنكن؟ فيقلن: ألهمنا أن نسقط في هذه الروضة فنغني لمن فيها مِنْ شَرْبٍ، فيقول: على بركة اللّه القدير. فينتفضن، فيصرن جواري كواعب يرفلن في وشي الجنة، وبأيديهن المزاهر وأنواع مايُلتمس به الملاهي، فيعجب، وحقّ له العجب.. فيقول لإحداهنّ على سبيل الامتحان: اعملي قول أبي أمامة [النابغة الذبياني] ، وهو هذا القاعد أمامي:
مِنْ آلِ مَيَّةَ رائحٌ أو مغتَدِ