(فيركب بعض دواب الجنة ويسير، فإذا هو بمدائن ليست كمدائن الجنة، ولا عليها النور الشَّعْشَعَانيّ وهي ذات أدْحال [سراديب] وغماليل [أودية ذات أشجار كثيرة معتمة] فيقول لبعض الملائكة: ماهذه ياعبد اللّه؟ فيقول: هذه جنة العفاريت الذين آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وذُكروا في [الأحقاف] وفي [سورة الجن] وهم عدد كثير. فيقول: لأعْدِلَنَّ إلى هؤلاء فلن أخلوَ لديهم من أعجوبة. فيعوج عليهم، فإذا هو بشيخ جالس على باب مغارة، فيسلم عليه، فيحسن الرد ويقول: ماجاء بك يا إنسيّ؟ إنك بخير لعسيّ، مالك من القوم سِيّ؟ [مثيل] (ص290) .
ففي الجنة إذن نور وعَتمة، ومدائن فسيحة، وأخرى متراكبة، وفيها حدائق ورياض، وفيها مغاور، وسراديب، وواضح أن بعض هذه المواضع للإنس، وأن بعضها الآخر للجنّ، وأن لكلٍ مايناسبه، مع أنهم جميعًا في الجنة.
وهكذا يحس المعري بمكانية الجنة، فإذا فيها مشارق ومغارب، وفيها بعدٌ وقُرب، ومسافات وأميال، وأمام ووراء، وفيها اختلاف وتنوع وتعدد، فثمة قصور مشيدة منيفة، وقصور ليست كذلك، وثمة بيوت في أقصى الجنة، وثمة مكان منها مطلّ على النار، والجنة في الأعلى.
وهذا الإحساس المكاني بالجنة، مرتبط بشعور قيمي، فالعالي للأفاضل، والواطئ لمن دون ذلك، والقاصي البعيد لمن هم أقل مرتبة، والأماكن المضيئة المشرقة للإنس، والأماكن المعتمة المنغلقة للجن.
ومثل هذا الإحساس بالمكان طبيعي بالنسبة إلى الإنسان، وهو إحساس متميز وخاص بالنسبة إلى المعري الأعمى.
والمعري يجد من غير شكّ في هذا التصوير للامتداد المكاني قدرًا كبيرًا من الفسحة والانطلاق والحرية يخرج به من إسار بيته الذي لزمه معظم حياته، ومن إسار عماه الذي لازمه طوال عمره.
-السكّان -