وبعد أن يكلّم ابن القارح الشعراء وهم في النار، يتدخل الشيطان، فيقول لخزنة النار قاصدًا ابن القارح:
(ألا تسمعون هذا المتكّلم بما لايعنيه؟ قد شغلكم وشغل غيرَكم عمّا هو فيه، فلو أنّ فيكم صاحبَ نحِيزَةٍ قوية، لوثبَ وثبة حتى يلحقَ به فيجذِبَه إلى سقر) (ص349-350) .
وهكذا فالجنة في علوّ، والنار في سفول، وهذا أمر طبيعي في الوجدان الإنساني، إذ طالما ارتبط المكان العالي بالقيم العليا، وطالما ارتبط المكان الواطئ بما انحطّ من عادات وفعال مرذولة.
وفي الجنة مسافات وأبعاد، ومشارق ومغارب، وفيها رياض. ويطلب ابن القارح مغنيتين:
(فيركب بعض الخدم ناقة من نوق الجنة، ويذهب إليهما على بُعْد مكانهما، فتُقبلان على نَجِيبين أسرعَ من البرق اللامع) (274) .
وثمّة مسافات وأميال، وأمام ووراء، وتقدّم وتراجع: (ويَمَلّ من خطاب أهل النار، فينصرف إلى قصره المشيد، فإذا صار على ميل أو ميلين، ذكر أنه ما سأل عن مهلهل التغلبيّ.... فيرجع أدراجَه) (ص351) .
وفي الجنة كثبان، ولكنها من عنبر، فابن القارح (يركب نجيبًا من نُجُبِ الجنة خُلِقَ من ياقوتٍ ودُرّ.. يُمْلِعُ [يسرع ويخفّ] بين كُثبان العنبر) (ص175-176) .
وفي الجنة قرب وبعد، وأدنى وأقصى، ويتخذ هذا المقياس صفة قيمية، فإذا القاصي والبعيد للأقلّ مكانة وقيمة.
(فيذهب، فإذا هو ببيت في أقصى الجنة، كأنه حِفْشُ أمَةٍ راعية، وفيه رجل ليس عليه نور سكّان الجنة، وعنده شجرة قميئة، ثمرها ليس بِزَاكٍ) (ص307) .
(فيخلّفُهُ ويمضي، فإذا هو بامرأة في أقصى الجنة قريبةٍ من المُطّلعَ إلى النار. فيقول من أنتِ؟ فتقول: أنا الخنساء، أحببتُ أن أنظر إلى صخر فاطلعت فرأيته كالجبل الشامخ والنار تضطرم في رأسه. فقال لي: لقد صحّ مَزْعَمُكِ فيّ، يعني قولها:
وإنّ صخرًا لتأتمُّ الهُداةُ به
وفي الجنة نفسها الأعلى والأدنى، ومما لاشكّ فيه أن الصفة المكانية تحمل أيضًا دلالة قيمية: ... فتأبَى الدُنوَّ إلى وهْجه