فهرس الكتاب

الصفحة 16439 من 23694

ولعلّه أيضًا ليس من المبالغة القول إن المعري يأتي برسالة الغفران في الأدب العربي بنوع أدبي جديد يقوم على السرد ويتضمن السرد والوصف والحِوار كما يتضمن شخصية رئيسية تتحرك وتتصرف إلى جوار شخصيات ثانوية وتقوم بعمل متكامل له بداية ونهاية، ويتضمن تقنيات السرد من قصّ واسترجاع، وفي تنوّع واضح في الشخصيات من جنّ وإنس وحيوان، وجنة ونار، وفي خيال بديع مبتكر يجعل النساء يخرجن من ثمار السفرجل والرّمّان والتّفاح، ويجعل الأفعى تنقلب حية، ويتضمن إلى جانب ذلك كله قصصًا كثيرة في إطار تلك القصة الكبيرة.

والمعري يستعين على بناء ذلك كله بحشد من الآيات والأشعار والأخبار والقضايا اللغوية والنحوية تبدو في معظمها متماسكة وضرورية وذات دور في الوصف أو التصوير أو توضيح الشخصية أو تحريك الواقع، ويبدو بعضها محض مناقشات لغوية اقتضاها السياق.

وهو حين ينشئ حوارًا بين ابن القارح وغيره من الشعراء واللغويين والنحاة، إنما ينشئ حوارًا رشيقًا، سلسًا في معظمه، وإن كان لايخلو في بعض المواضع من الألفاظ الصعبة.

-المكان -

والمعري يحس بالجنة كأنها مكان من أمكنة الدنيا، فهي محدودة بمشارق ومغارب، وهي ذات نقاط قريبة وأخرى بعيدة، وفيها علوّ وسفول، وفيها عتمة وإشراق، ومدائن مكتظة، وكأنها نسبية، وليست مطلقة.

وليس هذا بالأمر الغريب على بشر، يقيس الآخرة بمعايير الدنيا، سواء وعى ذلك أم لم يعهِ، وإن كان يجهد في جعلها مختلفة عن الدنيا، باتساعها، واختلاف طبيعتها.

فالجنة في مكان عالٍ، والنار في مكان منخفض، وابن القارح يطلّ على النار من فوق.

"فيطلع فيرى إبليس -لعنه اللّه- وهو يضطرب في الأغلال والسلاسل" [ص309] ، ثم يسأل عن أحد الشعراء فيقال له انظر إلى أسفل حتى تراه، يقول ابن القارح:

(فليت شعري مافعل عمرو بن كلثوم؟ فيقال: هاهو ذا من تحتِك، إن شئت أن تحاوره، فحاوره) (ص329) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت