وواضح أن هذه الرحلة تقوم على السرد المتصل الذي يبدأ من نقطة ويظلّ يسير في خطّ مستقيم مارًّا بنقاط متتابعة، ولكنّ المعرّي يقطع هذا السرد، ليتحدّث عن ماضٍ، إذ لا تبدأ الرحلة منذ دخوله الجنة، إنما تبدأ وهو في الجنة، ثم يحدثنا فيما بعد عن هوْل الحشر ودخوله الجنة، وهو حديث يرويه ابن القارح نفسه، ولكن في قطع لرحلته، وتوقف، وبصيغة الفعل الماضي، ثم يعود ليتابع الرحلة، وهو يرويها ثانية بضمير الغائب والفعل المضارع، مما يدلّ على وعي المعري لفنّه السرّدي.
والمعري لايروي على لسان نفسه، بضمير المتكّلم، وإنما يروي على لسان ابن القارح، جاعلًا منه بطل الغفران، فهو الذي يدخل الجنة، وهو الذي يطوف في أرجائها، ويلتقي شعراءها، ويحاورهم.
فما سرّ هذا الاختفاء وراء شخصية ابن القارح؟ وعدم دخول المعري الجنة بنفسه؟ هل هو الزهد في المغامرة، والبعد عنها، وهل هو الخوف من تحمّل المسؤولية، ليحملها ابن القارح، وليتكلم على لسانه بما يريد أن يقوله هو نفسه؟ هل هو التواضع، ليظهر علمه من خلال ابن القارح، أو هل هي محض حيلة فنية، اتخذها المعري وسيلة للتصوير والتعبير والسرد؟.
ومهما يكن من أمر، فالمعري متقن لفنّ السرد، قادر على ربط النقاط بعضها ببعض، في دلالات وأبعاد فكرية عميقة.
ولعلّه ليس من الجديد القول إن رسالة الغفران هي أول نص أدبي باللغة العربية يصوّر رحلة إلى العالم الآخر يزور فيها البطل الجنة والنار، ويلتقي هنا وهناك رجالًا من المعروفين في الدنيا، ويحاورهم في أمور الأدب واللغة والشعر.