فهرس الكتاب

الصفحة 16437 من 23694

والمعرّي يسير ببطله ابن القارح في الجنة سيرًا هادئًا، فيظهر منذ البدء في الجنة، وله فيها أشجار كثيرة، يسير في ظلالها، ليلتقي الشعراء واللغويين ويسألهم ويحاورهم، ويدهش أحدهم إذ لم ينسه هول الحشر ماحفظ من شعر، فيقص عليه ما كان من مساعدة إبراهيم بن محمد صلى الله عليه وسلّم له على دخول الجنة، ثم يمضي فيمتّع ناظريه بالشجر والأنهار والكؤوس والحور، ويقيم المآدب للأدباء، فيأكل معهم ويشرب، ويعقد مجالس الرقص والغناء، ثم يرى الحور العِين، وتخرج له إحداهنّ من ثمرة من ثمار الجنّة، ويعرّج على مساكن الجنّ، ويلتقي أبا هَدْرَش، ويسمع بعض شعره، ثم يمضي حتى يبلغ أقصى الجنّة، فيلتقي الحطيئة والخنساء، ومِن هناك يطلّ على النار، فيرى بعض شعراء الجاهلية، ويحاورهم في أشعارهم، لكنّه مايلبث حتى يملّها ويعود إلى الجنّة، وتلتقيه أفعى تروي الأشعار والأخبار، تعِده إن أقام عندها أن تنقلبَ إلى غانية، ولكنّه يفرّ منها إلى الحورية الأولى التي خرجت له من إحدى ثمار الجنّة، ويتعلّق بها، ويذكر امرأ القيس ودارة جلجل، فإذا هو أمام نهر، والحورية تغطّ فيه مع صويحباتها، فيعقر ناقته، ويطعمهن، شأنه شأن امرئ القيس، ثم يشرب شيئًا من شراب الجنّة، وأخيرًا يحمله الولدان المخلّدون والجواري على مفرش، ويمضون به إلى النعيم المقيم.

وتبدو هذه الرحلة في الجنّة أشبه بالرحلة في الدنيا، بل كأنها تعويض عنها، وفيها ينال ابن القارح من المُتع ماكان المعرّي محرومًا منه، كأنّ المعرّي يعوّض بذلك عن حرمانه في الدنيا، ولكن من غير أن يناقض الفلسفة التي عاش عليها في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت