فهرس الكتاب

الصفحة 1635 من 23694

وما دمنا قد ذكرنا المصادرة في العلم فإن العلم والفن في الحضارة العربية الإسلامية يقوم كلاهما على المصادرة التالية وهي أن الإنسان آخر الموجودات في سلم التطور تتجلى فيه جملةً جميع الصفات التي توجد في العالم متفرقة وزيادة. فيه الناحية العنصرية وهي الجسم، وفيه الطبيعة الكلية أي طبيعة الحياة أو النفس، وفيه العقل القادر على التحليل والتمييز وتفهم حقائق الأشياء، وفيه الفكر أو الروح التي هي من أمر الله- ونفخنا فيه من روحنا- ولهذا كان أكمل الموجودات وكان بذلك الخليفة على الكون مسؤولًا عن سياسته سياسة حكيمة وموكلًا إليه تدبير أموره. ثمة تضافر وتضامن بين الكون والإنسان من الناحية العلمية والجمالية والعملية. لقد امتلأت الكتب العربية الإسلامية بفضائل العلم، كل علم، والحث عليه واعتباره فريضة وعبادة بل أفضل أنواع العبادات. ولا حاجة للتنويه لذلك. ولكنا نذكر هذا الحديث الذي أخرجه الترمذي:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. إن الله عز وجل وملائكته وأهل السموات والأرضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير". قوله أدناكم يريد صحبه. وقد شبهوا بالنجوم في حديث أصحابي كالنجوم. يصلّون أي يستغفرون ويدعون لهم لأن فضل علمهم وعملهم وإرشادهم سبب لانتظام أحوال العالم. وذكر النملة والحوت بعد ذكر الثقلين تتميم لجميع أنواع الحيوان. ثم أن نفع العابد مقصور على نفسه ونفع أن يتم توازن حيوي على الأرض وألا يقع فيها تلوث ولا إجحاف، لأن العلم والعمل مسوسان بالخير العام ومسيّران نحوه.

ولهذا نجد خليفة الرسول أبا بكر يوصي أسامة بن زيد عند بعثه إلى مشارف الشام لتحرير إخوانه العرب:"لا تخونوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة ولا تعقروا1 نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكله."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت