وهناك مظهر آخر للثورة (الثالثة) وهو إسباغ المعالجة بالطب النفسي على المجتمع وقد بدأه لنغ Ling عام 1959 حين اعتبر الطب النفسي فرعًا مستقلًا عن الطب وخلع عليه الصفة الاجتماعية. أكد لنغ أن بعض الظواهر التي يعتبرها الأطباء مرضية ما هي إلا تعبير عن مشكلات الإنسان وضروب صراعه في مجتمعه على الرغم من تعدد الطرق التي تختارها النفس الإنسانية لتؤكد حريتها. وبذلك يغدو المرض العقلي مجرد أسطورة كما نوه بذلك تشاتش Szasz سنة 1970.
إن مسوخ هيرونيموس بوش Hieronymus Bosch الرسام الهولندي التي رسمها في فنه كأنما عادت للظهور ولكن على صعيد الواقع. ولم تكن عودتها مفاجئة إذ تنكرت الآن بأقنعة كيماوية سرية لوثت الماء والهواء وسممت الطعام وخلقت الطفرات الوراثية المؤذية وأثارت كوامن السرطان وعاثت في صبغيات الخلايا فسادًا وشذوذًا، وربما كانت علة جميع الكوارث البيئية"."
بوس الذي ألمح إليه الباحث عاش في القرن الخامس عشر ومات 1516م. رسم صورًا خيالية بشعة ومسوخًا منفرّة وشياطين مخيفة. يريد في إلماحه أن ينبع إلى ما ينجم عن التلوث الذي تحوم طيوفه من آفات وتشوّه في الخلق والسحنات البشرية.
وقد أشار الباحث في ختام بحثه جزعًا إلى الأطباق الطائرة المهددة للكيان الإنساني كما يشير إلى مظاهر الغرور الزائف في هذا العصر ويعدها ضربًا من جنون العظمة وإلى اضطراب المجتمع الذي يعيش فيه والذي يمور بشتى المشكلات. وهو ينقل في الحاشية أن الأمريكيين استهلكوا في عام 1967 ثمانمائة ألف أوقية من مادة البربورات المهدئة وما يقرب من عشرة ملايين حبة من الانفيتامين Amphetamines وأن كل واحد من أربعة أشخاص يستعمل الحبوب المهدئة بانتظام.