ومن فصاح العامية الشامية القديمة المهجورة حديثًا، قولهم لدى الانصراف من عند قوم: (أَوْدَعْناكُم) و (أَوْدَعْناكنّ) على الإيجاز في حذف المفعول الثاني لأنه مفهوم بالفطرة والبديهة؛ وقد هجر أكثر الشاميين تحية التوديع هذه منذ أن كانت تستعملها في الحواريات التمثيلية (أم كامل: التي كان يمثلها بشخصيتها الفنان المرحوم أنور الباب) . فتركوا استعمالها وفي ظنهم أنها عبارة مغرقة في العامية، مع أن الصحيح أنها مغرقة في الفصاحة، وهي مثال من أمثلة كثيرة على مالم أكتب عنه من قبل.
أما الثلاثي (وَدَعَ) فقد كتبت عمن رأوه فعلًا مُماتًا في صيغة الماضي مع أنهم ساقوا الشواهد عليه ومنها قراءة من القراءات وحديث نبوي شريف! ومن هؤلاء سيبويه في (الكتاب) قبل (القاموس المحيط) وغيرهما... وأما من رفضوا الادعاء بالموت على الماضي الثلاثي ودع فمنهم ابن جنّي في (الخصائص) وابن منظور في (لسان العرب) والفيومي في (المصباح المنير) والمُطَرِّزيّ في (المُغْرِب في ترتيب المعرِب) ومنهم أيضًا عوامّنا الذين حافظوا على حياته بلفظه ومعناه.
التصويب والتخطئة... وتخطئة المخطّئين:
ومنذ بدايات عصور التدوين في القرنين الثاني والثالث الهجريين؛ أي: الثامن والتاسع الميلاديين، ومع كثرة تدوين كتب اللغة؛ بدأت تؤلف الكتب والبحوث العديدة في تتبع أخطاء العوامّ، وبدأت أيضًا مؤلفات التنبيه على ما أنكره قوم على العامة وله وجه في اللغة.. فتكوّن الاتجاه نحو فصيح العوامّ.. وفي عصرنا تكاثرت هذه المحاورات والبحوث والنقود اللغوية... بسبب اختلاف المراجع المعجميّة الكثيرة بين أيدي هؤلاء الباحثين والنقاد، وقد بَيَّنْت هذا في دراسة جعلتها في مقدمات (6) ( معجم فصاح العامية) .
من كُتُبِ / ما مضى عليه اثنا عشر قرنًا
- (الفَاخر) لابن سلمة: