ونتجاوز لسان العرب إلى معجمٍ آخر نخصه بالشقّ الثاني من هذا البحث وهو"القاموس المحيط".وصاحبه هو مجد الدين، محمد بن يعقوب الفيروزابادي (817هـ) (9) ، وكان في أول أمره قد شرع في تأليف معجم سماه"اللامع المُعْلَم العجاب، الجامع بين المحكم والعباب" (10) ، وقدّر له نحو ستّين جزءًا، ولكنه عدل عنّه بعد ذلك إلى اختصاره في كتابٍ آخر"محذوف الشواهد، مطروح الزوائد، مُعْربًا عن الفُصَح والشوارد"وسماه"القاموس المحيط"لأنه البحر الأعظم. ورتّبه على طريقة الصحاح واللسان، وأوضح ذلك بنفسه قائلًا:
إذا رمت في القاموس كشفًا للفظةٍ
ولا تعتبر في بدئها وأخيرها ... مزيدًا؛ ولكنّ اعتبارك للأصل (11)
وقد أدمج الواو والياء أيضًا في بابٍ واحد، كما ألحق به"باب الألف اللينة"، وذكروا أن عدد مواده ستون ألف مادّة. ... فميمٌ لمعروف، وعَيْنٌ لموضعِ
أما مصادره فلم يصرّح في المقدمة إلا باثنين منها، كان عليهما جلّ اعتماده، وهما"المحكم"لابن سيده، و"العباب"للصغاني، وأنه أضاف إليهما زياداتٍ منّ الله بها عليه عند غوصه عليها من بطون الكتب. ولا نشكّ في أنه رجع إلى التهذيب والصحاح والنهاية والمُغْرب للمطرّزي، وأساس البلاغة للزمخشري، ولسان العرب وغيرها. وقد جاء ذكر بعضها خلال كتابه. بل إنني قابلت بين عددٍ من الموادّ المشتركة بين القاموس المحيط واللسان فوجدت الفيروزابادي يسير على خطا اللسان في سرد كلمات كل مادّة، ويمشي معه، سالكًا طريق الاختصار والإيجاز، وحذف الشواهد والنصوص.
وأبرز ما يمتاز به القاموس المحيط: كثافة مادّته، وإيجاز عبارته التي تصل أحيانًا إلى حدّ الغموض أو اللّبس، مع حرصٍ على الشمول والاستيعاب، واعتماد رموز واصطلاحاتٍ خاصة رغبةً في الاختصار، ودفعًا للتكرار. وقد ذكرها في مقدمة كتابه وأشار إلى بعضها أحد الشعراء بقوله:
وما فيه من رمز فخمسة أحرف:
وجيمٌ لجمعٍ، ثم هاءٌ لقريةٍ، ... وللبلدِ: الدالُ التي أُهملت، فَعِ (12)