لقد استمد الجوهري مادة كتابه من السماع، والرواية عن العلماء، ومن مشافهة العرب في البوادي، وممّا أُلّف قبله من المعاجم: كالعين، والجمهرة وما إليهما، وأكثر من شواهد القرآن والحديث والشعر، حتى بلغ عدد موادّه -كما قالوا- أربعين ألف مادّة، مرتبةً ترتيبًا سهل المأخذ، خاليًا من التعقيد والاضطراب، وقد التزم فيه -كما رأينا- طريقة التقفية، لأن الكلمات تتعاقب في كل باب تعاقب القوافي في القصيدة. وهذا كله يشهد للجوهري بالعبقرية الفذّة، إذ كان عمله مزيجًا من الفكر والعقل والقلب، وما زال حتى أقام بناءً كاملًا بل صرحًا ممرّدًا ارتضاه الناس من بعده، وتفيّأ اللغويّون ظلاله جيلًا بعد جيل، وإن كان لا يخلو من بعض العثرات والأوهام، لأسبابٍ أشرنا إلى بعضٍ منها، وفي مكنة القارئ تقرّي بعضها الآخر.
وهكذا سارت طريقة الجوهري من بعده، وارتضى اللغويون ترتيب"الصحاح" (8) ، فجاء ابن منظور المصري (-711هـ) بعد ثلاثة قرون وألف معجم"لسان العرب"الذي يعدّ من أضخم المعاجم العربية وأغزرها مادة، إذ بلغ عدد موادّه ثمانين ألف مادة، مع شواهد كثيرة، وأخبار، وأشعار، جعلته موسوعة مختلفة الألوان، وحظي على مدى الأيام بتقدير العلماء وثقتهم، وإن كان لا يخلو أيضًا من بعض المآخذ. وقد جمع فيه ابن منظور بين خمسة معاجم صنّفت قبله، وهي: التهذيب للأزهري (-370هـ) ، والصحاح للجوهري (-396هـ) والمحكم لابن سيده الأندلسي (-458هـ) وحواشي ابن بري على الصحاح (-576هـ) ، والنهاية لابن الأثير (-609هـ) . ولم يكن"جمهرة اللغة"لابن دريد من أركان"لسان العرب"خلافًا لما يظنّه بعض الباحثين.
وقد التزم ابن منظور طريقة"الصحاح"ومنهجه التزامًا كاملًا، وصرّح بذلك في المقدمة قائلًا:"ورتّبته ترتيب الصحاح في الأبواب والفصول".