وقال الخطيب التبريزي:"وكتاب الصحاح هذا حسن الترتيب، سهل المطلب لِما يُراد منه، وقد أتى بأشياء حسنة، وتفاسير مشكلات من اللغة.." (3) . كما أشاد به ياقوت الحموي قائلًا:"وهذا الكتاب هو الذي بأيدي الناس اليوم، وعليه اعتمادهم. أحسن [الجوهريّ] تصنيفه، وجوّد تأليفه، وقرّب متناوله، وآثر من ترتيبه على من تقدّمه، يدل وضعه على قريحةٍ سالمة، ونفسٍ عالمة..." (4) . وأقرّ بشيء من ذلك منافسه الفيروزابادي فقال في مقدمة القاموس المحيط:"رأيت إقبال الناس على صحاح الجوهري، وهو جديرٌ بذلك".
على أن هؤلاء المصنّفين وغيرهم ذكروا أن المحققّين من العلماء تعقّبوا الجوهري وأخذوا عليه تصحيف عدة مواضع في كتابه، غلط فيها وأخطأ المرمى. وعللّوا ذلك بأن الجوهري لما انتهى من تصنيفه سُمع عليه إلى باب الضاد المعجمة، ثم اعترته وسوسة فألقى بنفسه من سطحٍ فمات، وبقي سائر الكتاب مسودةً غير منقّح ولا مبيّض، فبيّضه بعد موته تلميذه أبو إسحق، إبراهيم بن صالح الوراق (5) -من مذكوري الأدباء في نيسابور- فغلط فيه في عدّة مواضع غلطًا فاحشًا (6) . وكان الفيروزابادي بعد ذلك أشدّ العلماء تحاملًا على الجوهري وصحاحه.
وهذا لا يضير"الصحاح"كثيرًا، وقد اعتذر عنه الخطيب فقال:"ولا تخلو هذه الكتب الكبار من سهوٍ يقع فيها أو غلطٍ.. غير أن القليل من الغلط الذي يقع في الكتب إلى جنب الكثير الذي اجتهدوا فيه، وأتعبوا نفوسهم في تصحيحه وتنقيحه، معفوٌّ عنه" (7) . كما أحسن ياقوت في مثل ذلك وهو يقول:"ومن ما ساء قطّ، ومن له الحسنى فقط؟ فإنه -رحمه الله- غلط وأصاب، وأخطأ المرمى وأصاب، كسائر العلماء الذين تقدّموه وتأخّروا عنه فإنّي لا أعلم كتابًا سُلّم إلى مؤلّفه فيه، ولم يتبعه بالتتبع من يليه".