فهرس الكتاب

الصفحة 16230 من 23694

وهذا يعني أن العرب لم يتأثروا في وضع معجماتهم بمؤثرات أجنبية، سواء على يد الخليل، أو على يد من جاء بعده (29) ، ذلك لأن الإغريق قد تقدّموا على العرب في وضع المعجمات، وألف علماؤهم عددًا منها قبل أن يطل الإسلام على آفاق الجزيرة، وكانت هذه المعجمات سهلة الترتيب، تأخذ بتصنيف الألفاظ على حروف المعجم، ونذكر منها معجم بامفيليوس pamphilius ومعجم هيلاديوس Helladius ومعجم هيزيشيوس Hesychius وكلهم من علماء الاسكندرية.

ووجود هذه المعجمات عند الإغريق، قد يثير الشك بتأثر العرب بها، ولكن ثمة أدلة تنفي ذلك عند التحقيق، فالخليل لا يستطيع الاطلاع على معجمات الإغريق، لأنه يجهل اليونانية، وحركة الترجمة لم تنشط إلاّ في عصر الرشيد، والرشيد بويع له بالخلافة سنة (170هـ) ، وهي السنة التي يُرَجَّح أن يكون الخليل قد توفي فيها، ولو أن الخليل اطلع على منهج هذه المعجمات وما فيه من سهولة ويسر، لما رسم منهج كتاب العين على ما رأيناه فيه من تعقيد.

ثم إن الترجمة حين نَشطت أيام الرشيد وبعده لم تكن تُعْنَى بترجمة كتب الإغريق في الأدب واللغة، لأنهم لم يتذوقوا أدب الإغريق ليترجموه (30) وإنما اجتذبهم فكر الإغريق، فشُغِلوا بترجمة ما لديهم من طب وفلسفة، وهذا يعني أن علماء العربية ما كان لهم أن يطلعوا على معجمات الإغريق بعد الخليل، ولو أن أحدهم اطلع عليها لما ادعى أن الخليل في صنع كتابه"العين"كان له السّبْق منذ خلَق الله الدنيا، إذ نجد حمزة بن الحسن الأصفهاني (360هـ) يقول:"صنع صاحب كتاب العين ما لم يصنعه أحد منذ خلق الله الدنيا.. من تأسيسه بناء كتاب العين الذي يحصر لغة أمة من الأمم قاطبة" (31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت