ولما كان إلى جانب هذا النشاط الصوفي التقشفي لهؤلاء الحرفيين لاسيما الفقراء منهم، نشاطات أخرى اتجهت اتجاهًا معاكسًا واتصفت بطابع العنف أو اتجهت اتجاهًا سريًا، ومن الأمثلة على هذه التوجيهات إقبال العديد من أهل الحرف والصناع والانخراط في الدعوات السرية الاجتماعية كالقرمطية، ودعوتها التي قامت على حمدان قرمط وغيره بالعراق في القرن الثالث الهجري نتيجة لسوء التوزيع الاقتصادي والخلل الذي حدث في المجتمع من جراء ذلك، وقاد لتوسع الدعوة القرمطية، وقيام دولة لهم في البحرين، ونشاطها في العراق والشام، ووصل خطرها حتى مصر. وحظيت بتأييد كبير من أصحاب المهن والحرف والمعذبين، وتعرض المجتمع العربي الإسلامي لهزات عنيفة لانخراط الحرفيين بهذه الحركة وغيرها من الجماعات كالعيارين والشطار وغيرهم من الفتيان، والأحداث في شرق العالم الإسلامي وغربه والتي رفعت شعارات تطبيق المساواة والعدالة الاجتماعية، والاستيلاء على الأموال والثروات وبطرائق مختلفة، ولا أرى ضرورة لشرح هذه الطرائق. ولهذا لانستغرب أن يوصفوا بصفات مذمومة، كالرعاع- العراة الانذال اللصوص... على الرغم مما اتسموا به من صفات فروسية تبعدهم عن أخلاق اللصوص العاديين، وأهم شعاراتهم الثورة على السلطة وأصحاب الأموال، ورفض الأوضاع الاقتصادية السائدة، والتي كان العديد منهم يرون أنها خرجت عن الشعائر الإسلامية وعدالتها الاجتماعية، ومن خلال هذه الرؤية، وهذا التوجه أعطوا أنفسهم حق الاستيلاء عليها وتوزيعها على الفقراء منهم. وكانت معظم الحركات من عيارين وشطار، في بغداد، في الظاهر عصابات من اللصوص وضعت أمام نفسها نهب الحوانيت والأسواق وبيوت الأغنياء.