هذا وجواب ابن سينا وإن لم يكن كافيًا ذو نصيب ما من الصحة، وهو أن الهواء المنحل في الماء إذا جمد الماء يعطي فقاعات أو حبابًا هوائيًا ينحصر فيه. وإذا سخن الجمد أو نفذ إليه شعاع شمسي سكنته حبات ماء سائل يقال له باللغة العربية سيعٌ تقع في قاعدة البلورة الجامدة. فإذا برد الجمد مرة جديدة هاجر السيع المتولد في الشقوق الدقيقة نحو الجانب الذي هو أقل برودة على حين بخاره وقد انعزل في الجليد يأخذ شكل نجم ثلجي. هذا والهواء المنحل في الماء السائل أغنى بالأوكسجين وبالغازات النادرة وبغاز الفحم من هواء الجو (7) .
ولم يقف الجدال عند هذا الحدّ. فلما تلقَّى البيروني جوابات ابن سينا أعد اعتراضات على جوابات المجموعة الأولى العشرة ماعدا السادس والثامن وعلى جوابات سبعة من المجموعة الثانية هي اعتراضات موجزة تظهر عدم رضاه عن جوابات ابن سينا كما ذكرنا آنفًا.
ويبدو أن ابن سينا ضاق ذرعًا فكلَّفَ تلميذه أبا سعيد المعصومي أن يجيب عنه باعتماد الفلسفة الطبيعية المشائية.
والخلاصة أن هذه المناقشات ذات مكانة في تاريخ العلوم لأنها تجلو بعض القضايا الفكرية التي كانت موضوع تأمل العلماء والفلاسفة في الطبيعة وفي غيرها.
إن آراء أرسطو مع شروحها ومع بعض عناصر الأفلاطونية الحديثة كانت شائعة عند كثير من فلاسفة العرب والمسلمين وعلمائهم وهي ما يطلق عليه لفظ الفلسفة المشَّائية التي كان ابن سينا أكبر ممثليها، وإن تجاوزها في بعض الأحيان. ولكن كانت هنالك تيارات فكرية أخرى تنأى عن التقليد وتناهض الاتجاه الأرسطي وتعتمد إلى ثقافتها الواسعة المختلفة على الاستقلال في التفكير العلمي ومن أبرز ممثليها أبو الريحان البيروني.