فهرس الكتاب

الصفحة 16170 من 23694

فالإنسان إنما هو إنسان بالقوة، ولا يصبح إنسانًا بالفعل إلاّ عندما يستخدم عقله في اكتساب العلوم والمعارف، وهو قادر على أن يعقل المعقولات كلها ما لم يعترضه عائق من حجب الهيولى والأعراض.

يقول التوحيدي:"نحن نجد النفس تقبل الصور كلها على التمام والنظام من غير نقص ولا عجز، وهذه الخاصة ضدّ لخاصة الجسم، ولهذا يزداد الإنسان"بصيرة كلما نظر وبحث وارتأى وكشف." (36) "

فالنفس تدرك صور الموجودات كلها وحينئذ تزداد معارف الإنسان.

"الحسّ عامل من عمّال العقل، والعامل يجور مرّة ويعدل مرّة، فأما الذي هذا هو عامله فهو الذي يتعقّبه، فإن وجده جائرًا أبطل قضاءه، وإن وجده عادلًا أمضى حكمه، ومتى استشير الحسّ في قضايا العقل فقد وُضِع الشيء في غير موضعه، ومتى استشير العقل في أحكام الحسّ فقد وضِع الشيء في موضعه." (37)

فالفعل هو الذي يتحكّم في الحواس وحينما يتحكّم بحكمة يكون عادلًا وحينما يتحكّم بعبث وظلم يكون جائرًا، وكمال الإنسان الذي يتمم إنسانيته هو فيما يدركه بعقله من اكتساب العلوم والمعارف.

"وإنما صار البصر والسمع أشرف الحواس لأنهما أخصّ بالمعارف وأقرب إلى الفهم والتمييز، وبهما تدرك أوائل المعارف ومنها يرتقي إلى العلوم الخاصة بالنطق." (38)

فمكانة السمع والبصر مكانة شريفة لأنهما وسيلتا الإنسان لإدراك المعارف.

"فالمعقول في نهايته عقل، والعقل غني عن كل شيء ينحط عنه، والمحسوس في نهايته حس والحس يحتاج إلى ما ارتفع عليه، ولابدّ من حسّ يبين به الخلق في العموم، ولابد من عقل يوصل به إلى الباري على الخصوص، والحسّ رائد، ولكنه يرود لمن هو أعلى منه، والعقل مستريد، لكنه يستريد من هو دونه، فوردت العلة في الأصل والفرع، أصل الوجود وفرع العدم مراده، وانتهت الحال تامة إلاّ ما لا يعرفه الجاهل عمى، ولا يدركه الجاهل استحسارًا، ولا يناله المترف كسلًا." (39)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت