ويعود اضطراب الحسّ إلى أن منشأه من الأعراض، أما ثبات العقل فلأنه يستملي من الحق"والحسّ محطوط عن سماء العقل، والعقل مرفوع عن أرض الحس، فمجال الحس في كل ما ظهر بجسمه وعرضه، ومجال العقل في كل ما بطن بذاته وجوهره" (30) .
فمجال الحواس الأعراض ومجال العقل الجوهر والذات، يقول التوحيدي ذكر أبو سليمان:"أن من شأن العقل السكون، ومن شأن الحسّ التهيجّ ولهذا يوصف العاقل بالوقار والسكينة، ومن دونه يوصف بالطيش والعجرفة." (31) .
والحواس متبدّلة غير ثابتة لا استقرار فيها، بينما العقل ثابت الجوهر، يقول التوحيدي:
"الحسّ ضيق الفضاء، قلق الجوهر، سيال العين، مستحيل الصورة، متبدل الاسم، متحول النعت، والعقل فسيح الجو، واسع الأرجاء، هادئ الجوهر، قار العين، واحد الصورة، راتب الاسم متناسب الحلية، صحيح الصفة." (32)
فالحواس سريعة التبدّل والتقلّب، والعقل ثابت الجوهر، والحواس كلها حواس بالقوة وحينما تدرك محسوساتها تصبح حواس بالفعل.
العلاقة بين الإدراك الحسي والإدراك العقلي
"إن الحسيات معابر إلى العقليات... وذلك أنه في كل محسوس ظل من المعقول، وليس في كل معقول ظل من الحس، ومتى وجدنا شيئًا في الحس فله أثر عند العقل، به وقع التشبه، وإليه كان التشوق، وبه حدث القرار." (33) والإنسان لا يمكنه التحلي بلبوس العقل ما لم يخلع عنه آثار الحس.
"ومسلك العقل في تعرّف المعاني الطبيعية مقابل لمسلك الطبيعة في إيجادها، لأن الطبيعة تتدرج من الكليات البسيطة إلى الجزئيات المركبة، والعقل يتدرج من الجزئيات المركّبة إلى البسائط الكلية". (34)
إذًا العقل يتدرج من الجزئيات المركبة إلى البسائط الكلية.
"والنفس تكمُلُ في هذا العالم بقبولها صور المعقولات لتصير عقلًا بالفعل بعد أن كانت بالقوة، فإذا عقلت العقل صارت هي هو، إذ من شأن المعقول والعاقل أن يكونا شيئًا واحدًا لا فرق بينهما." (35) .