"وإنما قيل إنها ثلاث لأن من شأن الشيء الذي يبدأ أثره ضعيفًا ثم يقوى غاية القوة أن ينقسم ثلاثة أقسام، أعني الابتداء والتوسّط والنهاية، أعني أن المضغة تستمد الغذاء، وتتصل بها عروق كعروق الشجر والنبات فيأخذ من رحم أمه بتلك العروق ما تأخذه عروق الشجرة من ترتبه، فيظهر فيه أثر النفس النامية، أعني النباتية، ثم يقوى هذا الأثر فيه، ويستحكم على الأيام حتى يكمُل وينتهي بعد ذلك إلى أن يستعد لقبول الغذاء بغير العروق، أعني أنه ينتقل بحركته لتناول غذائه فيظهر فيه أثر الحيوان أولًا أولًا..."
فإذا كَمُل استعداده لقبول هذا الأثر فارق موضعه، وقَبِل أثر النفس الحيوانية، ثم لا يزال في مرتبة البهائم من الحيوان إلى أن يصير فيه استعداد لقبول أثر النطق أعني التمييز والرَّوية فحينئذ يظهر فيه أثر العقل، ثم لا يزال يقوى هذا الأثر فيه على قدر استعداده وقبوله حتى يبلغ نهاية درجته وكماله من الإنسانية ويشارف الدرجة التي تعلو درجة الإنسان فيستعد لقبول أثر الملك.." (21) "
فالنفس عند التوحيدي تمر بثلاث مراحل يكمل بعضها بعضًا حيث تبدأ نباتية ثم حيوانية ثم ناطقة وتسعى هذه الناطقة إلى واجب الوجود بالمعرفة والفعل.
والنفس جوهر وعن طريق النفس الجزئية يتمكن الإنسان من الاتصال بالعقل الأول، لأنها صدرت عنه وهي تصله بالنفس الكلية التي تؤدي به إلى الواحد الأحد.
النفس والعالم
يقول التوحيدي مشيرًا إلى العلاقة الوثيقة بين الإنسان والآخرين من جهة وبين الإنسان والعالم من جهة ثانية: