فكل ما تفردت النفس الناطقة باستحسانه من غيرها فهو الخير، وكل ما استقبحته منه فهو الشر، والذي أصارها إلى هذه الحال ما يكتنفها من النفسين الشهوية والغضبية من شوائب فيها، فإنهما يجذبانها إلى الغلط في الأمر الخاص، ولا يجذبانها إلى الغلط في مثله من غيرها، ولن تسلم من معارضتهما إلا إذا كانت قوية صارمة والنفس الشهوية لها ضرورة لاجتذاب المطاعم التي بها قوام البدن، والارتكاب للطيب من المناكح التي بها بقاء النسل.
والنفس الغضبية كذلك لها ضرورة لدفع الظلم وإباء الضيم والذبّ عن الحريم والأنفة من العار، إلاّ أنه يجب أن تكون هاتان النفسان تحت طاعة النفس الناطقة.
فإذا ساست القوة الناطقة كلاّ من القوة الغضبية والقوة الشهوية"حذفت زوائدهما، ونفت فواضلها ووفّت نواقصهما، وذيّلت فواصلهما أعني إذا رأت غُلْمةً في الشهوية أخمدت نارها، وإذا وجدت السّرف في الغضبية قصَّرَت عنانها، فحينئذ يقومان على الصراط المستقيم، فيعود السّفه حِلْمًا أو تحالمًا، والحسد غبطة أو تغابطًا، والغضب كظمًا أو تكاظمًا والغيّ رُشدًا أو تراشدًا والطيش أناة أو تأنيًا، وصَرَّفت هذه الكوامن في المكامن إذا سارت سورتها... على مناهج الصواب، تارة بالعِظة واللطف، وتارةً بالزجر والعنف وتارة بالأنفة وكبر النفس وتارة بإشعار الحذر، وتارة بعلوّ الهمة" (15) .
وقد تبيّن في المباحث الفلسفية أن للنفس قوتين معطية وآخذة:"فهي بالقوة الآخذة تستثيب (16) المعارف، وتشتاق إلى تعرّف الأخبار، وبها يوجد الصبيان أول نشوئهم محبين لسماع الخرافات، فإذا تكّهلوا أحبوا معرفة الحقائق. وهذه القوة هي انفعال وشوق إلى الكمال الذي يخصّ النفس."
وهي بالقوة المعطية تفيض على غيرها ما عندها من المعارف، وتفيده العلوم الحاصلة لها، وهذه القوة ليست انفعالًا بل فاعلة. وهاتان القوتان موجودتان للنفس بالذات لا بالعرض." (17) "