"وذلك أن قومًا ترقوا في خدم الأمراء يتولفون إليهم بما جبوا من الأموال إلى أن استولوا على أحوالهم، فأحبوا مزيد القربة منهم ولا وسيلة أٌقرب إليهم من المال، فتعدوا إلى الأراضي الجارية في إقطاعات الأمراء، وأحضروا مستأجريها من الفلاحين، وزادوا في مقادير الأجر. فثقلت لذلك متحصلات مواليهم من الأمراء، فاتخذوا ذلك يدًا يمنون بها إليهم، ونعمة يعدونها إذا شاءوا عليهم. فجعلوا الزيادة ديدنهم كل عام. حتى بلغ الفدان لهذا العهد نحوًا من عشرة أمثاله قبل هذه الحوادث. لا جرم أنه لما تضاعفت أجرة الفدان من الطين إلى ما ذكرنا، وبلغت قيمة الأردب من القمح المحتاج إلى بذرة ما تقدم ذكره وتزايدت كلفة الحرث والبذر والحصاد وغيره وعظمت نكاية الولاة والعمال، واشتدت وطأتهم على أهل الفلح، وكثرت المغارم في عمل الجسور وغيرها. وكانت الغلة التي تتحصل من ذلك عظيمة القدر زائدة الثمن على أرباب الزراعة، سيما في الأرض منذ كثرت هذه المظالم، منعت الأرض زكاتها، ولم تؤت ما عهد من أكلها، والخسارة يأباها كل واحد طبعًا ولا يأتيها طوعا. ومع أن الغلال معظمها لأهل الدولة أولى الجاه وأرباب السيوف الذين تزايدت في اللذات رغبتهم، وعظمت في احتجار أسباب الرفه نهمتهم، استمر السعر مرتفعًا لا يكاد يرجى انحطاطه فخرب بما ذكرنا معظم القرى، وتعطلت أكثر الأراضي من الزراعة فقلت الغلال وغيرها مما تخرجه الأرض، لموت أكثر الفلاحين وتشردهم في البلاد من شدة السنين وهلاك الدواب، ولعجز الكثير من أرباب الأراضي عن ازدراعها لغلو البذر وقلة المزارعين."