فهرس الكتاب

الصفحة 16154 من 23694

فلما دهى أهل الريف بكثرة المغارم وتنوع المظالم، اختلت أحوالهم وتمزقوا كل ممزق، وجلوا عن أوطانهم، فقلت مجابي البلاد ومتحصلها، لقلة ما يزرع بها، ولخلو أهلها ورحيلهم عنها لشدة الوطأة من الولادة عليهم، وعلى من بقي منهم، وكان هذا الأمر كما قلنا مدة أيام الظاهر برقوق..." (15) "

هكذا إذن يرينا المقريزي أن الفساد يبدأ من الرأس ليدب في الجسد، وأن أعلى الهرم السياسي عندما يكون مخلًا فإن الانحلال سيجرف جوانبه وقواعده، معبرًا برصده الذكي عن تأثير سوء الإدارة والرشوة وعدم كفاية أصحاب المناصب، على الأحوال الاجتماعية لسكان الريف وعلاقة ذلك بتدمير اقتصاده وهجرة سكانه وإفقارهم، ليدهموا المدن ويثيروا الكثير من المشكلات، فتتفاقم المجاعة وتشتد وطأة الأسعار والغلاء، ويقرر بمرارة أن إهمال الدولة للأمور يورث البلاء ويضر بالناس موحيًا بإدانة للترف والمترفين:

"وتزايدت غباوة أهل الدولة، وأعرضوا عن مصالح العباد، وانهمكوا في اللذات لتحق عليهم كلمة العذاب (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرًا) (16) ."

وواضح هنا الربط الذي يقيمه المقريزي بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي واقتصادي وفق رؤية ترى في الظاهرة أكثر من وجهة، وتصل إلى أكثر من سبب محرك لها، ومن هنا فهو يضيف إلى أسباب الغلاء، أسبابًا أخرى تتمثل في:

3-الأسباب الاجتماعية والاقتصادية:

يرجع المقريزي ارتفاع غلاء الأطيان، أي القطائع والأراضي الزراعية في الريف إلى علاقة المصلحة ذات الطابع النفعي المتبادل بين الولاة في الدولة وبين أصحاب الملكيات الكبيرة في تحالف صريح لاستنزاف فلاحي الريف عبر تشديد بدلات إيجار الأراضي واستخدامهم في أعمال السخرة، وتسخيرهم لتحقيق مآرب وفوائد لمصلحة المتنفذين من كبار المسؤولين في الدولة وأصحاب الشأن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت