فهرس الكتاب

الصفحة 16153 من 23694

"وأصل هذا الفساد ولاية الخطط السلطانية والمناصب الدينية بالرشوة كالوزارة والقضاء ونيابة الأقاليم وولاية الحسبة وسائر الأعمال، بحيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل، فتخطى لأجل ذلك كل جاهل ومفسد وظالم وباغ إلى ما لم يكن يؤمله من الأعمال الجليلة والولايات العظيمة، لتوصله بأحد حواشي السلطان، ووعده بمال للسلطان على ما يريده من الأعمال، فلم يكن بأسرع من تقلده ذلك العمل وتسليمه إياه، وليس معه وما وعد به شيء قل ولا جل، ولا يجد سبيلًا إلى أداء ما وعد إلا باستدانته بنحو النصف مما وعد به، مع ما يحتاج إليه من شارة وزي وخيول وخدم وغيره، فتضاعف من أجل ذلك عليه الديون، ويلازمه أربابها. لا جرم أن يغمض عينيه ولا يبالي بما أخذ من أنواع المال، ولا عليه بما يتلفه في مقابلة ذلك من الأنفس، لا بما يريقه من الدماء، ولا بما يسترقه من الحرائر، ويحتاج إلى أن يقرر على حواشيه وأعوانه ضرائب، ويتعجل منهم أموالًا، فيمدون هم أيضًا أيديهم إلى أموال الرعايا، ويشرئبون لأخذها بحيث لا يعفون ولا يكفون، ثم ينساق البائس في جمع الأموال التي استدانها إذا أتته استدعاءات من الأمراء وحواشي السلطان، أو نزل به أحد منهم إن كان المتولي متقلدًا عملًا من أعمال الريف، فيحتاج له إلى ضيافات سنية ومقادم جليلة من الخيول والرقيق وغير ذلك بحسب الحال. ولا يشعر مع ذلك إلا وغيره قد تقلد ذلك العمل بمال التزم به، وقد بقيت عليه جملة من الديون، فيحاط على ما يوجد له من أثاث وحيوان وغيره. ويشخص في أنحس حال. وقد أحيط كما ذكرنا بماله، ويعاقب العقوبات المؤلمة، فلا يجد بدًا من الالتزام بمال آخر، ليقلد العمل الأول أو غيره من الأعمال."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت