وقدر ما يحتاج إليه الناس في كل يوم من الغلة، وقدر الغلال التي أجاب التجار إلى بيعها بالسعر المعين، وما تدعو إليه الحاجة بعد ذلك، غلات الديوان على الطحانين بالسعر، فلم يزل الأمر على ذلك إلى أن دخلت الغلة الجديدة، فانحلت الأسعار، واضطر أصحاب الغلة المخزونة إلى بيعها خشية من السوس، فباعوها بالنزر اليسير، وندموا على ما فاتهم من البيع بالسعر الأول" (13) ويحدد المقريزي أسباب الغلاء الفاحش الذي وقع في عهد المستنصر بسبب قصور مياه النيل وغياب المزارعين واختلال منظومة الري إضافة إلى ضعف السلطنة وانحلال أمور الدولة سياسيًا والمتمثل في استيلاء الأمراء على مقاليد الأمور. بحيث عمت الفتن بين البدو وغابت الطمأنينة وافتقد الأمان، وساد الخوف، وانتشر الوباء، واشتعلت الأسعار، ووصل الأمر إلى أن الناس:"
"... أكلت الكلاب والقطط حتى قلت الكلاب، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير، وتزايد الناس حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وتحرر الناس، فكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه. ثم آل الأمر إلى أن باع المستنصر كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره، وصار يجلس على حصير، وتعطلت دواوينه، وذهب وقاره، وكانت نساء القصور يخرجن ناشرات شعورهن يصحن:"الجوع! الجوع!"يردن المسير إلى العراق، فيسقطن عند المصلى، ويمتن جوعًا (14) ."
فالمقريزي في تشخيصه الدقيق للبلاء والكارثة، لا يقف عند حدود المسألة الطبيعية، وإنما يتعداها إلى سياسة الدولة الاقتصادية وإلى دور المحتكرين في التخريب الاقتصادي من أمراء وتجار مياسير، ولذا فهو يستكمل تفكيره بشأن الغلاء والمجاعات إلى إيراد أسباب أخرى لهما تتمثل في:
2-الأسباب السياسية والإدارية: