"... فعظم الأمر، وكظ الناس الجوع، فاجتمعوا بين القصرين، واستغاثوا بالحاكم في أن ينظر لهم، وسألوه ألا يهمل أمرهم، فركب حماره وخرج من باب البحر، ووقف وقال: -أنا ماض إلى جامع راشدة، فأقسم بالله لئن عدت فوجدت في الطريق موضعًا يطؤه حماري مكشوفًا من الغلة لأضربن رقبة كل من يقال لي إن عنده شيئًا منها، ولأحرقن داره وأنهبن ماله- ثم توجه وتأخر إلى آخر النهار، فما بقي أحد من أهل مصر والقاهرة وعنده غلة حتى حملها من بيته أو منزله وبثوها في الطرقات، وبلغت أجرة الحمار في حمل النقلة الواحدة دينارًا، فامتلأت عيون الناس، وشبعت نفوسهم وأمر الحاكم بما يحتاج إليه كل يوم، ففرضه على أرباب الغلات بالنسيئة، وخيرهم بين أن يبيعوا بالسعر الذي يقرره بما فيه من الفائدة المحتملة لهم وبين أن يمتنعوا فيختم على غلاتهم ولا يمكنهم من بيع شيء منها إلى حين دخوله الغلة الجديدة، فاستجابوا لقوله وأطاعوا أمره، وأنحل السعر وارتفع الضرر، وللّه عاقبة الأمور" (12) .
ويورد مثلًا ثالثًا يبين كيف أن الأمر بأحكام الله قد عالج الغلاء في زمنه تأكيدًا لقدرة الدولة في دفع البلاء عن الناس وتحجيم الغلاء:
"... فختم على مخازن الغلات وأحضر أربابها وخيرهم في أن تبقى غلاتهم تحت الختم إلى أن يصل المغل الجديد، أو يفرج عنها وتباع بثلاثين دينارًا كل مائة أردب، فمن أجاب أفرج عنه، وباع بالسعر المذكور، ومن لم يجب أبقى الختم على حواصله."