ومع أن المقريزي يرسم هذه الصورة الدامية التي ترينا سعة حجم الكارثة الطبيعية والاجتماعية إلا أنه لا يرى في ذلك ثباتًا وديمومة، فالظاهرة الاقتصادية والاجتماعية نسبية، ولا تمتلك ديمومة أبدية، ذلك أن فهم أسباب المحنة يرتبط بتدخل المسؤولين في الدولة حيث بمقدورهم إيقاف النزيف الاقتصادي والاجتماعي واتخاذ إجراءات اقتصادية صارمة من شأنها أن تحد من الاحتكار وتخفض الأسعار وتخفف عن الناس وترفع البلاء عنهم: ففي الحديث عن الغلاء سنة 358 هـ يقول:
"ودخل القائد جوهر بعساكر الإمام المعز لدين اللّه، وبنى القاهرة المعزية، وكان مما نظر فيه أمر الأسعار، فضرب جماعة من الطحانين وطيف بهم وجمع سماسرة الغلات بمكان واحد. وتقدم الاتباع الغلات إلا هناك فقط، ولم يجعل لمكان البيع غير طريق واحدة، فكان لا يخرج قدح قمح إلا ويقف عليه سليمان بن عزة المحتسب" (11) .
ويقدم المقريزي دليلًا ثانيًا على إمكان تدخل الدولة لرفع الغلاء والتصدي للنكبات والمجاعات وتقليص تأثير الكوارث الطبيعية، عندما يتحدث عن مجاعة سنة 398هـ بسبب زيادة مياه النيل أربعة عشر ذراعًا، وكيف تصرف الحاكم بأمر الله لمعالجة هذه المجاعة: