-عالم معتزل ثالث: جاء في حديث ابن مسعود:"ماخلقَ اللهُ من جنةٍ ولا نار... ولا سماءٍ ولا أرض.. أعظم من آية الكرسي".. فما رأيُكَ بهذا الحديث يا أحمد..؟
-ابن حنبل: إنما وقع الخلقُ على الجنة والنار.. والسماء والأرض.. ولم يقع على آية الكرسي.. أي لم يقع على القرآن.. وهي جزء منه كما تعلمون.. ويعلم جميع المُسلمين كافة.
وتُتابِعُ المُناظرة مسارَها على هذا النحو من الجدل والمنطق.. حتى إذا تعب المُتناظرون، طلب الخليفةُ المعتصم إعادة الإمام أحمد إلى السجن، ثم عيَّن علماء آخرين ليُتابعوا مناظرته مساء اليوم التالي بعد صلاة العشاء.
وتنطوي سنواتُ الخليفة المعتصم... ثم سنواتُ الخليفة الواثق.. كما انطوتْ قبلها سنوات الخليفة المأمون، والإمام أحمد بن حنبل ثابتٌ على قوله ومعتقده.. صابرٌ على سجنه وعذابه.. مُحتسبٌ لله في محنته وابتلائه.. إلى أنْ تأتي خلافة المتوكل الذي كان أوَّلُ مافعله بعد تولِّيه أمور الخلافة إصدارَ أمرٍ (يمنع بموجبه إلزام الناس وإجبارهم على القول بخلق القرآن.. الذي كان يُنادي به المعتزلة... ومن سبقه من خلفاء أتَوْا بعد هارون الرشيد) .
ويهلُّ هلالُ احترام حرية العقيدة على العالم الإسلامي من جديد.. وتُشرقُ شمسُ الفرج على الإمام أحمد بن حنبل بعد ليلٍ دامسٍ.. مرعبٍ وطويل، فيطلب الخليفةُ المتوكل إحضارَهُ إلى قصر الخلافة ليعتذرَ منه عمَّا ألحقهُ به أسلافه الخلفاء الثلاثة من أذى المأمون والمعتصم والواثق وأوَّلُّهمُ خاصة.
وحين يدخل ابنُ حنبل فناء القصر، ويتقدم من الخليفة المتوكل.. يتقدمُ الخليفةُ منه ليضمَّهُ ويُعانقهُ مُعتذرًا بحرارة وحُرْقة عمَّا فات... طالبًا الرحمة والمغفرة لأسلافه الخلفاء الثلاثة، ثم يلتفتُ إلى أمه التي كان لها دورٌ كبير في إطلاق سراح ابن حنبل والتي كانتْ تقف بجانبه عند استقباله للإمام أحمد ويقول: